فرانز كافكا.. الاغتراب عن الذات
أقيمت في مؤسسة بيسمنت الثقافية يوم الثلاثاء 15 أغسطس 2017 جلسة نقاش حول الكاتب التشيكي فرانز كافكا، ضمن الأنشطة الثقافية التي تقدمها مكتبة بيسمنت، أدار الجلسة شهاب جمال مسؤول المكتبة.
في البداية عرف شهاب بالكاتب فرانز كافكا، وهو روائي تشيكي ولد عام 1883 وتوفي عام 1924، وهو من رواد المدرسة الكابوسية في الأدب، وقد شكل نقطة تحول بين الكتابة الكلاسيكية في القرن التاسع عشر والكتابة الحداثية في القرن العشرين.
كتب أعمالاً كثيرة بين قصص وروايات، نشرها صديقه ماكس برود بعد وفاته، ومن أشهر أعماله المسخ والمحاكمة ومستعمرة العقوبات.
توفي قبل أن يكمل بعض أعماله، كما ترك بعضها على شكل فصول لم يتم ترتيبها إلا بعد وفاته، وقد تأثر به الكثير من الكتاب مثل موراكامي وماركيز الذي استوحى منه أسلوبه في الواقعية السحرية.
تم عرض فيديو يتحدث عن كافكا حياته وكتاباته وفلسفته.
شارك أحد الحاضرين في الحديث عن كافكا الذي كانت أولى كتاباته في التأمل، وكان يكتبها في بداية تعرفه على حبيبته ميلينا التي ترجمت كتاباته إلى اللغة التشيكية، وشجعته على كتابة الروايات.
تسيطر على رواياته فكرة الذل التي ظهرت مثلاً في رواية القلعة على شكل أسرة، وظهرت بأشكال أخرى في بقية رواياته، وقد طلب من صديقه ماكس برود إحراق رواياته بعد وفاته، لكنه قام بنشرها رغم ذلك.
شاركت إحدى الحاضرات قائلة إن شخصية والد كافكا ظهرت بقوة في أعماله وتأثر بها في كل رواياته، كما كان يتبنى الفلسفة العدمية، وظهرت في كتاباته فكرة التشاؤم والنزعة الانتحارية.
الأستاذ عبدالواسع الأدومي تحدث عن رواية المسخ التي ظهرت في إحدى الترجمات بعنوان: التحول، وذكر أن كافكا هو من القلة الذين تنبؤوا بما يحدث الآن في العالم، كما كان للنقاد دور كبير في شهرته والتعريف بأعماله.
عزيز مرفق تحدث عن كافكا، وذكر أنه في كتاباته جعل الكوابيس تحل محل الواقع، وكأن الحياة مجرد كابوس قد لا ندرك ذلك لأننا اعتدنا عليه أما هو فلم يعتد عليه لذلك ظل يكتب عنه.
تحدث شهاب جمال عن طريقة كافكا في الكتابة التي يراها تتفوق تقنياً على كتابة دستوفسكي، ولديه قدرة على نقل الكابوس بواقعية، وذكر أن تأثير كافكا بلغ حداً جعل بعض المجتمعات تسمى بمجتمعات كافكا، وربما كونه يهودياً كان سبب شهرته، حيث عمل اليهود على الدعاية الكبيرة له.
أحد المشاركين تحدث أنه بغض النظر عن انتمائه فقد كان يستحق المكانة التي وصل إليها، ويحسب له تصوير الكابوسية بطريقة رمزية عالية وربطها بالواقع، كما أنه لم يكن متديناً بالقدر الذي يمكن اعتباره يهودياً، فقد كان يرفض أن يحكم الدين بل العقل.
شهاب المصري تحدث عن رواية المحاكمة التي لم يكن لبطلها الذي تم القبض عليه بتهمة مجهولة اسم محدد، بل رمز إليه بحرف، ليخبرنا أنه يمكن أن يكون أي شخص منا.
شهاب جمال تحدث عن قراءته نقداً لرواية المسخ التي تحول فيها البطل إلى حشرة، وظل يعاني طوال الرواية، ولو انتبه أن له جناحين لتمكن من الطيران.
أحد المشاركين تحدث أيضاً عن هذه الرواية التي تجسد الصراع، حيث يصارع البطل ليعرف ما هو، وبعدها يصارع ليتمكن من الحركة، ثم من الاختباء، ثم يصارع ليعيش فقط.
شهاب جمال رأى أن كافكا في هذه الرواية جسد واقع الإنسان الذي قد يصل إلى هذه الحالة يوماً في شيخوخته أو عجزه، حين يصبح عالةً على أسرته بلا فائدة.
شهاب المصري رأى أن الرواية تحدثت عن الروتين الذي يظل الإنسان أسيراً له في حياته، حين يظل كل ما يهم الشخص هو إنهاء العمل.
أجمل جزء في الرواية كما يرى شهاب جمال كان البداية والنهاية، في المشهد الأول استيقظ فجأة وهو حشرة دون مقدمات ودون معرفة السبب، وفي النهاية حين مات حزنت أسرته ثم ذهبت في نزهة، لفت شهاب الانتباه إلى هذه اللحظة التي يصبح فيها موت إنسان راحة للآخرين.
تحدث عبدالواسع الأدومي عن صديقه ماكس برود الذي حافظ على كتاباته وقام بتهريبها من مكان إلى آخر كي لا تتلف، وذكر أن الكتاب والنقاد الذين كتبوا عن كافكا ذكروا أنه لم يشارك في المدرسة في الدروس الدينية ولا في بيت أهله، لهذا لا يجوز التقليل من قيمة كافكا لأنه يهودي في حين أنه لم يكن متديناً.
شهاب جمال رأى أن كافكا من أهم الكتاب في القرن العشرين، وكانت كتاباته حجر أساس في الفلسفة التي تبناها، وقد تأثر به من جاء بعده، فقد كانت رواياته صرخة من الداخل، وحملت أعماله قدراً من الفلسفة.
حمزة تحدث عن العدمية في كتابات كافكا، فكافكا لم يكن فيلسوفاً لكنه كان روائياً مؤثراً على الفلاسفة الذين جاؤوا بعده، وذكر أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: العدمية الأخلاقية والأنطولوجية والمعرفية، وقد كان كافكا أقرب إلى العدمية المعرفية التي تبتعد عن الشكوكية.
شهاب جمال رأى أن عدة اتجاهات فلسفية حاولت أن تنسب كافكا إليها، وهو يعتبر كافكا روائيا كابوسيا أما فلسفيا فقد تبنى الفلسفة العدمية.
عزيز مرفق رأى أن الروائيين لا يكونون فلاسفة، لكنهم ينقلون أفكارهم على شكل سرد روائي ويأتي النقاد بعد ذلك ليستخرجوا هذه المعاني الفلسفية.
طرح شهاب جمال سؤال: ما الفرق بين كافكا ودستوفسكي؟
أجاب حمزة رغم أن دستوفسكي مثل الواقعية، إلا أن الفروق بينهما ضئيلة، فالنمط الروائي مختلف، أما من ناحية الأفكار فقد مثل دستوفسكي الواقعية التي يراها حوله، أما كافكا فقد أسقط حياته على كتاباته، وكلاهما مر بتجارب عاطفية فاشلة.
تحدث شهاب عن الفرق بينهما، فدستوفسكي يشرح المعنى، أما كافكا فيجعلنا نعيشه.
الأستاذ عبدالواسع ذكر أن بعض المفكرين في فرنسا حاولوا تفسير أعمال كافكا تفسيراً وجودياً، فقد رأى بعض الشعراء أنه كاتب عبثي عدمي، وهو كاتب التساؤلات اليائسة، كما أن فصول المحاكمة لم يكتبها متسلسلة لذلك يختلف تسلسلها من طبعة إلى أخرى.
علق حمزة على هذا حيث نبه إلى أن كافكا كتب المسخ كرواية كاملة، أما المحاكمة فقد كتبها كفصول تم جمعها بعد ذلك، وفي الترجمات العربية تم جمع بعض قصص كافكا في كتاب واحد اسمه الأسرة.
عن الواقعية السحرية يقول شهاب جمال أن ماركيز رائد الواقعية السحرية تأثر بكافكا الذين كان هو من أحدث هذه النقلة النوعية في الكتابة، حيث كانت الواقعية هي الاتجاه السائد قبله.
كافكا يجعلك تلاحق الكابوس في رواياته كما يقول شهاب، ولا تستطيع التوقف دون التساؤل عن السبب، وربما أثرت كتاباته في الاتجاه السريالي في الفن بعد ذلك.
شهاب المصري رأى أن الواقعية السحرية كانت موجودة قبل كافكا، كما نلاحظ في ملحمة جلجامش وبقية أعمال هوميروس مثلاً.
أجاب شهاب جمال بأن هذا النوع من الكتابات كان أساطير دينية ولم يكن أدباً، وقد تم اعتباره في ذلك الوقت حقيقة مطلقة لا قصصاً أدبية.
أجاب شهاب المصري أن قصص كليلة ودمنة مثلاً كانت خيالاً أيضاً ولم تكن متعلقة بالدين.
عقب شهاب جمال بأن كافكا لم يخترع الخيال، بل عبر عنه بطريقة كابوسية.
أحد المشاركين تساءل: لماذا سيطرت الكآبة على كتابات كافكا؟ هل كان انعكاساً لظروف حياته؟
أجاب شهاب جمال بأن الأدب العظيم هو الأدب الحزين.
علق الأستاذ عبدالواسع بأن إبداع كافكا كما يقول النقاد يعالج طبيعة المجتمع البشري وليس فئة أو حالة معينة.
رأى عزيز أن كافكا ليس شخصاً حزيناً إلى هذا الحد، لكنه تميز بطريقة الكتابة والتعبير عن الفكرة وسردها بحبكة روائية تشد الآخرين، فقد عبر عن الحزن بطريقة مختلفة.
شهاب المصري ذكر أنه عندما قرأ المسخ لم يكن يعرف من هو كافكا، شده الصراع في الرواية، شخصية أخت البطل التي تعاملت مع شقيقها كحشرة لكنها تعاطفت معه لأنه شقيقها، وهذا سبب الإبداع في كتاباته التي اعتمدت على أسلوب التشويق وليس الحزن.
تحدث حمزة عن عامل الزمن الذي يلعب دوراً في شهرة الكاتب وانتشار كتاباته، فقد جاء كافكا في فترة حروب وصراعات دينية، كما أن كاتباً مثل دستوفسكي لم يدرك أنه اعتمد على التحليل النفسي في كتاباته الذي تأثر به اللاحقون.
تناول الأستاذ عبدالواسع مكانة كافكا في الشعوب المختلفة، فقد قرأ آراء مختلفة عنه باختلاف اللغات: العربية والإنجليزية والروسية، كما يعتبر في فرنسا كاتباً غامضاً غير مفهوم، ولا تترجم فيها أعماله، وذكر عبدالواسع أن الترجمة عبر لغات وسيطة يفقد الأعمال الكثير من قيمتها.
علق شهاب جمال بأن أصل كافكا اليهودي ساعد في شهرته، حيث حرص اليهود على نسبة كافكا إليهم للتباهي بذلك، ورد الأستاذ عبدالواسع الأدومي بأننا يجب أن نبرئ كافكا من اليهودية ونعتبره إنساناً فقط.
ذكر حمزة شكسبير الذي يعد كاتباً انجليزياً عظيماً بينما تفقد أعماله قيمتها في الترجمة العربية.
علق شهاب جمال بأن روايات كافكا إن ترجمت بطريقة سيئة فلن يؤثر ذلك كثيراً في فهمها لأنها تعتمد على المعنى بعكس أعمال شكسبير التي تعتمد على اللغة.
ذكر أحد المشاركين الكاتب اليمني الزبيري كتب رواية (مأساة واق الواق) ولم تأخذ حقها رغم أنها واقعية سحرية تميزت بحبكة ولغة جميلة، ولم ينل حقه من الشهرة.
في اتجاه آخر تساءل شهاب: لماذا كان حظ كافكا العاطفي سيئ؟
أحد المشاركين أجاب أن تشاؤم كافكا قضى على حياته العاطفية والاجتماعية وفصله عن الواقع، وذكر شهاب ما قالته ملينا حبيبة كافكا بأنها عرفت خوفه قبل أن تعرفه ، فقد كانت شخصية كافكا مدمرة بسبب علاقته بأبيه.
لم يكن كافكا انطوائياً كما يقول الأستاذ عبدالواسع، فقد كان قريباً من البسطاء، كما كان يحضر لقاءات ثقافية في ذلك الوقت.
وتحدثت إحدى المشاركات عن سلطة الأب التي تظهر في روايات كافكا، وقد فسر فرويد ذلك بأنه مر باكتئاب شديد جعله يستحضر صورة أبيه في كل قصصه.
قال شهاب أنه يجد الكثير من الدراسات الملحقة بروايات كافكا، وعلق عزيز أن هذه الشروحات الطويلة توجد في الترجمات العربية بكثرة ربما لينسبوا الفضل إليهم في التعريف به.
قرأ شهاب جمال نصاً لكافكا من رواية المحاكمة، وعلق عليه بأن ترجمته صعبة وتقنيته قوية، وهو يصف تفاصيل دقيقة لا يستطيع غيره وصفها، ورغم ذلك وصلت الفكرة إلى القارئ.
وقرأ حمزة قطعة من نص لرسالة كتبها كافكا لحبيبته ميلينا يصف فيه نفسه وتشاؤمه ونظرته لنفسه.
ذكر الأستاذ عبدالواسع في الختام أن استطلاعاً للرأي تم في عام 2002 في النرويج لأهم 100 كتاب أدبي في التاريخ، تم فيه اختيار الكتب التي تشكل وعياً إنسانياً، وقد شارك فيه كتاب عالميون وكان كافكا الكاتب الوحيد الذي اختيرت جميع كتبه في هذه القائمة.
وأضاف في النهاية: يقول النقاد إن كافكا كان متمرداً بمجرد وجوده وهنا تكمن قوته.
{gallery}eventgallery/Lib13{/gallery}
