الكاتبة الأمريكية توني موريسون.. وقضية السود
عقدت مساء الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 جلسة نقاش جديدة ضمن نشاط (مقيل بيسمنت) الذي تنظمه مكتبة مؤسسة بيسمنت الثقافية، تناولت الكاتبة الأمريكية توني موريسون. تحدث الحضور في الجلسة التي أدارها شهاب الأهدل -مسؤول المكتبة- عن الكاتبة وأهم أعمالها، وأسلوبها الروائي، وقضية العنصرية تجاه السود التي برزت في كتاباتها.
عرف شهاب الأهدل مدير الجلسة بتوني موريسون التي تعد إحدى أهم الكاتبات الأمريكيات من أصول أفريقية، فقد حصلت على جائزة نوبل للآداب عام 1993، كما حصلت على جائزة بوليترز عن روايتها (محبوبة)، وقد ترجمت أعمالها إلى عدة لغات، ومن أشهر رواياتها: العين الأكثر زرقة، جاز، أغنية سليمان، سولا. وعرض في الجلسة فيلم قصير لجزء من خطابها في حفل نوبل.
أسلوب توني موريسون
تحدث محمد الكدادي عن كتب موريسون التي تناولت عنصرية البيض ضد السود، وعرضت مشاهد عنصرية من الشارع الأمريكي في فترة الخمسينيات التي عانى فيها السود من العنصرية. وأشار إلى كتابها النقدي (اللعب في الظلام) الذي انتقدت فيه عنصرية الكتاب والأدباء ضد السود التي ظهرت في أعمالهم.
أشار شهاب الأهدل إلى عملها الأشهر رواية (العين الأكثر زرقة) التي تناولت قصة فتاة سوداء تحاول الحصول على عينين زرقاوين، ولفت النظر إلى أن توني لم تكن تتحدث عن العنصرية تجاه السود فقط، بل تنتقد مجتمع السود أيضاً.
تحدث شهاب الأهدل عن اللغة القوية التي تمتلكها موريسون واستخدامها مفردات غنية. وأشار محمد العطاس إلى تفوق السود في الخطابة والتحدث كباراك أوباما ومارتن لوثر كينغ.
شيماء جمال أشارت إلى رواية موريسون (العين الأكثر زرقة) التي أبدعت الكاتبة في اختيار عنوانها حين لم تذكر البشرة البيضاء بل رمزت إليها بالعين الزرقاء، وقرأ عزيز مرفق مقطعاً من هذه الرواية، ناقش بعدها الحضور دلالات الرواية وشعور السود بتفوق الجنس الأبيض عليهم.
أشار شهاب الأهدل إلى لغة موريسون المتفوقة وخيالها الرائع واهتمامها بالتفاصيل، إلا أنها حصرت نفسها بموضوع واحد رغم امتلاكها الخيال. قرأ بعدها مقطعاً من كتابها (اللعب في الظلام) الذي تناول اللاوعي العنصري ضد السود لدى الكتاب البيض، ومدلولات اللغة غير المباشرة في تأكيد هذا التمييز، ويعتقد شهاب أن موريسون ترى أن مسؤوليتها الدفاع عن اللاوعي الأدبي لدى الكتاب البيض.
أشار محمد العطاس إلى مقولة موريسون: “اللغة ليست فقط تعبيراً عن العنف بل هي العنف نفسه”
موريسون والأدب الأمريكي
تحدث شهاب الأهدل عن الأدب الأمريكي الذي قد لا يكون مفهوماً كثيراً في الوطن العربي كالأدب الأوروبي مثلاً، وأشار محمد العطاس إلى النظرة العامة إلى أمريكا كدولة ديمقراطية ترعى الحقوق، بينما تتخفى فيها مظاهر العنصرية التي لا تلاحظ إلا بالاقتراب. ويعتقد عزيز أن كتابات توني موريسون تمثل بوضوح الأدب الأمريكي، فقراءة كتابات موريسون تشعر القارئ بأن الأدب الأمريكي بعيد عن الأوروبي كثيراً، فملامحه ومواضيعه وقضاياه مختلفة .
تساءل فوزي الغويدي: إن كانت الكاتبة وغيرها من الكتاب الأمريكيين تناولوا قضية العنصرية تجاه السود فلماذا لم يتناولوا العنصرية تجاه الأعراق الأخرى كالهنود الحمر؟ ولماذا لا يركز الأدب الأمريكي على هذا النوع من العنصرية؟
موريسون والعنصرية تجاه السود
أشار شهاب الأهدل إلى رواية (كوخ العم توم) للكاتبة الأمريكية هيريت ستو التي كان لها أثر في الحرب الأهلية الأمريكية ولكنها ظهرت في فترة عبودية السود، أما روايات موريسون فقد تناولت العنصرية بعد انتهاء العبودية. وأشار العطاس إلى بعض الأعمال الأدبية التي أظهرت اضطهاد البيض للسود واستغلالهم دون مقابل.
أشارت شيماء جمال إلى بعض الكتاب الذين يتاجرون بقضايا إنسانية ليحصلوا على الشهرة، وتساءلت إن كانت كتابات موريسون ستظل جيدة من الناحية الفنية إن عزلت عن قضية العنصرية تجاه السود؟
أجاب فوزي الغويدي أن ذلك يتم بالنظر إلى تاريخ الكاتب إن كان مؤمنا بالقضية التي يتناولها أم أنها مجرد وسيلة للشهرة، وهل ظل ينشر أعمالاً تتناول نفس القضية بعد تسلمه الجائزة أم لا.
ذكر محمد الكدادي أن السود أيضاً كانوا يمارسون عنصرية مضادة، وقد كانت الكاتبة محايدة في ذكر ذلك، وهي أول كاتبة سوداء تحدثت عن السود دون انحياز إلى السود، وعرضت مشاهد واقعية من حياتهم دون تجميل.
أشار عزيز مرفق إلى أن الكاتبة كتبت عن السود لأنه مجتمع لم يتم التطرق إليه بالطريقة التي تناولتها، فقد تم تصويرهم من قبل كعصابات وتجار مخدرات، ولم يكتب الكتاب الآخرون عن حياتهم اليومية، وكون موريسون من هذا المجتمع فقد عبرت عنه بشكل جيد، حتى أنها ذكرت الأهازيج والأغاني التي يرددها السود في بيوتهم. وذكر محمد الكدادي كتاب (العين الأكثر زرقة) الذي يعتقد أنه موجه إلى السود لتحسين نظرتهم إلى أنفسهم وتحسين سلوكياتهم بذكر سلبياتهم.
تساءل فوزي الغويدي إن كانت كتابات موريسون قد أثرت على النظرة إلى السود ومقاومة العنصرية؟
أجاب شهاب الأهدل بأن الرئيس الأمريكي الأسود باراك أوباما ذكر في أحد لقاءاته تأثره بكتابات موريسون، وذكر أن الكتابات تؤثر في التفكير على المدى البعيد كرواية (كوخ العم توم )مثلاً.
أشارت شيماء إلى أن الباحث لا يجد الكثير من أعمال موريسون، وقد يكون السبب أن قضية العنصرية التي تناولتها لم تعد تجد الصدى الذي نالته في الماضي، فقد تغير وضع السود في الوقت الحالي.
العنصرية عبر التاريخ
تحدث شهاب الأهدل عن الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب، حيث قاد الجمهوريون حملة لإلغاء العبودية سبقها احتقان شعبي، وربما لم تكن المشكلة عنصرية قائمة على اللون، فالجنوب كان قائما على الزراعة يحتاج إلى السود كمزارعين، بينما كان الشمال بيئة صناعية لا تحتاج إلى الاستعباد الإقطاعي. ورأى شهاب أن السود الأمريكيين من أذكى السود في العالم لأنهم ناضلوا من أجل الحرية.
تساءل عزيز السبب الذي يجعل الأفارقة الأمريكيين أفضل من الذين يعيشون في أمريكا، وذكر أن السبب قد يكون بسبب تنوع التجارب التي يعيشونها، في حين لم يحتك الأفارقة بالحضارة الحديثة، لذلك يختلفون بشكل كبير.
ورأى محمد الشامي أن السبب قد يكون بسبب تطور الذكاء السياسي في أمريكا، فقد بنيت حياتهم على أساس الحركات، لذلك كان التعامل بينهم منظم.
تطرق المشاركون إلى تاريخ العنصرية تجاه أعراق متعددة وليس تجاه السود فقط، وقد وصلت في بعض الحالات إلى حالات إبادة للسيطرة على ثروات هذه الشعوب مثل شعب الأنكا في قارة أميركا.
ذكر شهاب المصري أن العنصرية فكرة اقتصادية، والإنسان يرفض المختلف لخوفه أن ينافسه على موارده، وذكر حالات عنصرية مضادة كالعنصرية في اليمن ضد البيض أو الآسيويين.
تساءل فوزي لماذا كانت العنصرية في أمريكا أقوى من أوروبا، فهل كان السبب كونها دولة كبيرة أم أن السود قد أبيدوا في أوروبا مثلاً؟
يعتقد الشامي أن السبب هو أن أميركا دولة حديثة، وأشار عزيز إلى النسبة العددية، ففي جنوب أفريقيا مثلاً عدد السود كبير لذلك اختلف وضع العنصرية لديهم. وأشار شهاب الأهدل إلى السود في أمريكا اللاتينية الذين لا يعانون من نفس القدر من العنصرية رغم أنها دول حديثة. رد فوزي بذكر بعض مظاهر العنصرية ضد السود في أمريكا اللاتينية كموقفهم من بعض لاعبي الكرة السود في وقت ما. واعتقد الشامي أن الروابط الاجتماعية بين اللاتينيين تخفف من العنصرية ، فقد ساعد هذا على التطور الاجتماعي لديهم.أشار شهاب المصري إلى العنصرية بين أصحاب العرق الواحد حتى بين السود أنفسهم.
تساءل محمد الشامي إن كانت العنصرية فطرية أم مكتسبة؟ وهل هي خطأ أم صواب؟ وذكر أن علماء الاجتماع يرون أن عدم تقبل أصحاب العرق المختلف مسألة فطرية، حتى الأطفال يلاحظ انحيازهم إلى أشباههم، ولكن ما نستطيع فعله هو عدم إيذاء الآخرين, وأشار إلى أمريكا التي عاشت فترة ممتلئة بالصراعات لأنهم لم يعزلوا أنفسهم بل اختلطوا بالأعراق الأخرى، لذلك ظهرت الحركات التحررية كالنسوية وحقوق السود لأن مجال الصراع كان مفتوحاً دائماً، وربما كانت المشكلة في أمريكا أخذ مشكلة السود والبيض الطابع السياسي أكثر من الطابع الاجتماعي، وقد ظهرت الفكرة الاستعبادية بظهور الإقطاعية، فحين يشعر أحد الأعراق أن عرقاً آخر يهدد مصالحه يبدأ باضطهاده، ثم يحاول قولبة وتقنين اضطهاده بترسيخ فكرة العبودية ومشروعيتها.
أشار شهاب الأهدل إلى نقطة مشتركة بين كفاح السود وكفاح المرأة، وهي أن بعضهم يعتقد أن هؤلاء المناضلين يشعرون بالنقص الدونية لذلك يطالبون بالمساواة، ذكر عزيز ذلك في كتاب توني التي قالت: “لا شيء أسوأ من أن تكوني امرأة وتكونين سوداء”.
ذكر شهاب الأهدل أن العنصرية موجودة بأشكال متعددة ويمكن أن تنتهي إذا توحد العالم عرقياً وانتهى الاختلاف، بينما رأت شيماء المسعودي أن الاختلاف لن ينتهي فالاختلاف سنة الحياة.
وفي هذا الإطار أشار محمد الشامي إلى هتلر الذي رأى أن السلام لن يسود إلا إذا حكم عرق واحد يلغي الفروق بين الأعراق الأخرى، ورأى شهاب المصري أن المستقبل قد يحمل الحل بإلغاء الفروق عن طريق الهندسة الجينية.
أبيض وأسود
أشار شهاب الأهدل إلى مجتمعنا اليمني الذي ما زلنا نجد فيه من يتعامل بعنصرية تجاه أصحاب البشرة السوداء، ويظهر هذا واضحاً على شبكات التواصل الاجتماعي رغم أن العنصرية القائمة على اللون نسبية، ففي المجتمعات الأوروبية يعتبر فاتحو البشرة العرب مثلا سوداً، في حين يعتبرون بيضاً في بيئتهم أمام الأفارقة.
ويعتقد شهاب أن الصدام بين البيض والسود في أمريكا كان حاداً بسبب التناقض لوجود البيض الأوروبيين والأفارقة، بينما لا يوجد صدام بهذه الحدة في الشعوب الأخرى القريبة من أفريقيا مثلاً.
تحدث محمد الشامي عن مصطلح (الملون) وليس (الأسود) الذي تمارس نحوه العنصرية في بعض المجتمعات، وهي عنصرية قائمة على العرق وليس على اللون نفسه.
ذكر الحاضرون قصصاً للتعامل العنصري مع الملونين في كل مكان، وتطرقوا إلى العنصرية في المجتمع اليمني تجاه السود، وتجاه اليمني في الخارج حتى أن اليمني يعتبر من السود عند أصحاب البشرة البيضاء.
أشار محمد الشامي إلى فكرة سائدة في العالم ترى أن الأغمق هو الأسوأ. ورأى شهاب الأهدل أن هذا النفور من الأغمق قد يكون لأسباب غريزية، بسبب الاعتقاد بأن الإنسان الأسود إنسان بدائي.
ذكر شهاب المصري ذكر ظهور أعراق جديدة في أمريكا اللاتينية نتجت من اختلاط الأعراق الأفريقية والأوروبية والآسيوية. وذكر فوزي اختلاط الأعراق الآسيوية والأفريقية مما أثر على تنوع الألوان في أفريقيا نفسها التي لم يعد يسكنها الإنسان الأسود فقط. وأشار الشامي إلى التمييز في جنوب أفريقيا رغم التكافؤ في فرص العمل إلا أن الزواج لا يتم بين البيض والسود بسهولة.
تساءل شهاب لماذا أصحاب لون البشرة الأغمق يحبون أصحاب البشرة الأفتح؟
قال الشامي أن أصحاب البشرة الأفتح أيضاً يعجبون بالأغمق إلا أنهم يظلون يشعرون أنه أقل. وأشار إلى الأطفال الذين يظهر لديهم هذا التفضيل غريزياً عبر اختبارات نفسية.


Leave a Reply
Want to join the discussion?Feel free to contribute!