محمد شكري.. الخبز الحافي

الجلسة السابعة من جلسات النقاش التي تنظمها مؤسسة بيسمنت الثقافية ضمن أنشطة المكتبة، كانت عن الكاتب المغربي محمد شكري، حيث تمت مناقشة أعماله وأسلوبه السردي، في الجلسة التي عقدت يوم الأربعاء 27 سبتمبر 2017 في مكتبة بيسمنت، وحضر النقاش مجموعة من المهتمين بالأدب.
في البداية تحدث شهاب جمال مدير الجلسة عن الكاتب محمد شكري الذي ولد عام 1935 وتوفي عام 2003، ومن أهم رواياته: الخبز الحافي، والشطار، التي احتوت على سيرته الذاتية، كما كتب أعمالاً أخرى كرواية الخيمة، ومسرحية السعادة، وله كتاب يحوي مذكراته مع الكاتب الفرنسي جان جينيه.
يمثل شكري كما يقول شهاب قلة من الكتاب الذين تناولوا أدب الهامش، وهو أدب يمتاز بالبساطة ويتناول الطبقة المسحوقة من المجتمع، ومن سماته الجرأة في الكتابة، والشجاعة في وصف الواقع.
تم بعدها عرض فيديو قصير لمقابلة قديمة مع الكاتب محمد شكري يتحدث عن مدينة طنجة التي عاش فيها، وعن علاقته بهذه المدينة وأثرها في كتاباته.
بعد مشاهدة الفيلم تحدث شهاب جمال عن شكري الذي حرم من التعليم المبكر بسبب إهمال والده، وعندما بلغ العشرين من عمره درس لرغبته الذاتية في التعلم، لهذا تعد سيرة حياته مادة مثيرة للبحث كما يقول شهاب، وهو يرى أنه لو أتيحت الفرصة له في الدراسة المبكرة لكان مستوى كتابته أفضل.
عزيز مرفق تحدث عن رواية الخبز الحافي أشهر أعمال شكري التي كتبها في شهرين، حين طلب صديقه بول بولز منه عملاً ليُترجم إلى الفرنسية، وطلب منه سيرة ذاتية، لكن شكري لم يكن قد أعد سيرته الذاتية لهذا كتبها في هذه الفترة القصيرة وأصبحت رواية مميزة.
تحدث شهاب عن هذه الرواية التي وصلت إلى أقصى مراحل الجرأة حين اتهم الكاتب فيها والده بقتل أخيه، وكشف ذلك للعالم.
شيماء الشوافي ذكرت معلومات عن شكري فهو لم يتزوج لأنه كما يقول لم يكن يثق بطريقة تعامله مع أطفاله إن أنجبهم، وعكست أعماله تفاصيل الحياة اليومية بشعرية عالية، رغم أنه تعلم القراءة والكتابة في سن متأخرة، كما كان له برنامج إذاعي اسمه (شكريات).
أضاف عبدالواسع أنه كاد أن يفصل من المدرسة بسبب كبر سنه، وقد قال إنه تعلم من التلاميذ أكثر مما تعلم من الأساتذة، ولكنه رغم ذلك كان يكتب بلغة جميلة ومتقنة، فقد كان يكتب نثراً شعرياً، وشعراً نثرياً، رغم أن العربية لم تكن لغته الأولى بل الأمازيغية.

في مداخلة له تحدث رحمان طه عن كتاب ورد ورماد، ورسائل شكري مع برادة، وعلق على مصطلحات شكري التي يصفها البعض بأنها ليست عميقة، فهو كما يقول لم يتعلم إلا في شبابه، لكنه أصبح نهماً للقراءة وكان قادراً على الكتابة بطريقة أكثر عمقاً لكنه اختار هذا الأسلوب للتعبير عن أفكاره. 
كما ذكر رحمان علاقة شكري بمسقط رأسه طنجة، فكثير من الكتاب كانوا يتحدثون عن علاقتهم الحميمة بمدن معينة، لكن شكري ابتعد عن هذا واعتبر علاقته بطنجة مجرد لحظات جميلة مسروقة، كما كان الزمن الخصب في كتابات شكري هو الطفولة والشباب، الذي دارت فيه كثير من قصصه.

سأل شهاب بمن من الكتاب يمكن أن يكون شكري قد تأثر؟ هل يمكن أن يكون قد تأثر بماركيز؟
أجاب عزيز بأنه شاهد مقابلة مع شكري ذكر فيها أنه قرأ الكثير لكتاب مصريين كنجيب محفوظ، ثم قرأ بالإسبانية.
تحدث شهاب عن تقنية التحكم بالزمن التي أتقنها شكري، حيث كان إيقاع روايته سريعاً بما يتناسب مع الأحداث فيها، ولكنه يرى أنه لا يملك قاموساً لغوياً ومفردات قوية، ولا يعرف إن كان قد تعمد ذلك أم أنه بسبب تعليمه المتأخر.
عزيز مرفق يعتقد أن شكري قد تعمد ذلك بسبب حاجة الرواية إلى هذه الطريقة في الكتابة، فعند قراءة رواياته الأخرى تظهر قدراته اللغوية والشعرية بوضوح.
نبيل قاسم ذكر العنف في كتابة شكري التي كسر بها الأسلوب السردي التقليدي الذي كان سائداً في الأدب العربي قبلها، كما تناول موضوع التمرد على الأب والتعرض للعنف، وقد ابتعد عن الزخرفة اللفظية في كتابته، وتناول المحظورات والمحرمات الثلاث (الدين والسياسة والجنس)، لهذا انتشرت أعماله باللغات الأخرى أكثر من العربية، بسبب فضول الغرب لمثل هذه المواضيع.
سميرة الزهري تساءلت: هل كانت رواية الخبز الحافي فعلاً سيرة ذاتية لمحمد شكري؟ أم أن القارئ يتوهم ذلك بسبب ضمير المتكلم والسرد الذاتي؟ ولو لم تكن سيرته فذلك يدل على قدرات الكاتب الفذ الذي يجعلك تشعر أنك تقرأ قصته الحقيقية.
ذكر شهاب أنها قد لا تكون سيرة ذاتية وربما هو ادعى ذلك بعد الشهرة التي نالتها الرواية، وذكر أنها قد تكون سيرة ذاتية لكنه أضاف بعض القصص التي حدثت للآخرين وكأنها حدثت له.
وعلق نبيل على ذلك بأن هذا إن حدث فهو من جماليات الكتابة، وأضاف بأنه في الخطاب الروائي قد يستخدم الكاتب الضمير هو أو أنا دون أن يقصد المشار إليه فعلياً.
ذكر شهاب أن شكري تطرق إلى موضوع حساس هو قتل الإبن، ففي العالم العربي لا يجرم الأب إن قتل ولده، ونبهت سميرة بأن الكثير من المبدعين قد عانوا من قسوة الأب، وأكد نبيل أنه لا يجب أن نفترض أن العلاقة بين الآباء والأبناء يجب أن تكون مثالية، وذكرت شيماء الشوافي أن العالم المسحوق كان هو القضية التي تناولها شكري في كتاباته.
قال نبيل قاسم إن كون الإنسان مثقفاً ليس قراراً يتخذه، وقد وجد شكري نفسه في بيئة صعبة، لذلك لم تكن اللغة اختياراً، وقد عاش في مدينة طنجة التي يزورها السياح لمشاهدة حياة الناس القاسية، دون أن يفكر أحد بمعاناتهم.
وقد كانت قيمة شكري في كسره للمحرمات والممنوعات في الكتابة، ولم يكن لديه رادع يمنعه، وكانت هذه الحرية هي ميزة حياة التشرد التي عاشها.
ذكرت سميرة الزهري التي تعمل في مجال الإرشاد النفسي بأن الكاتب حين يكتب بطريقة مستهجنة وجريئة فقد يكون السبب نفسياً، فمحمد شكري صور الإنسان في رواية الخبز الحافي كما تقول كحيوان تحكمه غرائزه، وهذا ما تعتبره مرضاً لا جرأة، فقد تكون هذه طريقة الكاتب الخاصة في الانتقام من المجتمع.

علق شهاب بأن شكري تعرض لظلم كبير، وليست المشكلة كتابته عما حدث، بل أنه عاش هذه المعاناة.
أجابت سميرة بأن هناك طريقة للتعافي من العقد عن طريق الكتابة عنها، وربما كتب شكري هذه الرواية ليتخلص من ألمه.
رأى نبيل أن الحديث بهذه الطريقة عن شكري يعتبر تقييماً أخلاقياً، في حين يحق للكاتب أن يقول ما يريد دون قيود.
عزيز مرفق يرى أن الكاتب كتب شعوره تجاه المواقف التي مر بها ولم يصفها فقط.
تحدث نبيل عن واقع الحياة في المغرب حيث يجبر الناس أحياناً على العمل في الدعارة بسبب الفقر، وأكد شهاب بأن أعمال شكري كانت نتاجاً للفساد والدعارة اللتين رآهما.
تساءل شهاب: هل ما يميز أعمال شكري هو اللغة أم المحتوى؟
أجاب نبيل بأن عنف الحياة وعنف الكتابة ظهرا في عمل واحد
تساءل شهاب: إذا كتب شكري بنفس التقنية في عمل آخر هل كان سينجح؟ أجابت شيماء: لا.

حمزة المقدم بدأ حديثه بنقد الكتاب الحداثيين الشرقيين الذين يكتبون من منظور البؤس والخلاعة كما يقول، وكأنها موضة سائدة، وهو يرى أن البؤس ليس قراراً تتخذه. وذكر أن الكآبة والسوداوية أصبحت اتجاهاً للكتابة لدى الكتاب المعاصرين، ولكن هذا لم يحدث مع شكري لأنه عاش البؤس فعلاً، ولم تكن معاناته متصنعة، فالتصنع يفسد العمل الأدبي.
علقت سميرة بأن الكثير من الكتاب يكتبون بطريقة سوداوية من أجل الشهرة فقط، وذكر شهاب تطرق شكري إلى مواضيع لم يتطرق إليها آخرون حتى من كتاب بلده، وذكر واقع الكتابة في اليمن حيث يهتم الكتاب اليمنيون بالتقنية واللغة أكثر من الموضوع والمحتوى.
ورأى الأستاذ عبدالواسع أن محمد شكري كاتب عبقري وصف ما حدث في المغرب، كان عنوان روايته “الخبز وحده”، ثم غيرها الكاتب الطاهر بن جلون إلى “الخبز الحافي”، وقد قال عنه الكاتب محمد برادة أنه لا يمكن لكاتب أن يكتب كهذا العمل إلا محمد شكري.

ذكر رحمان رواية أخرى مصرية مشابهة للخبز الحافي اسمها (أن تكون عباس العبد) ونصح بقراءتها.
عبدالواسع ذكر أن شكري بعد تعلم القراءة أصبح شرهاً للكتب حتى أنه كان يقضي كل وقته في المكتبة، وقد أعطاه أحد أصدقائه نصيحة أن لا يضيع وقته في الاهتمام بالقواعد النحوية بل يهتم بالأسلوب.
وضع شهاب سؤالاً: كانت كتابات شكري عالمية وترجمت أعماله إلى الكثير من اللغات، فلماذا لم يحصل على الشهرة الكافية؟
أجاب عبدالواسع بأن رواية الخبز الحافي منعت في بلده، وكانت في مصر تدرس في الجامعة الأمريكية لكنها منعت بعد ذلك بقرار رئاسي، وقد سُئل في حياته لمن تكون الوصاية على كتبت بعد موتك فقال إنه لا يريد أن يكون للمستعمر يد فيها، وقد يكون هذا سبب إهمال الغرب له.
وذكر حمزة أن السبب قد يكون نوعية كتابات شكري التي تحمل قدراً من الدلالات الشعرية والعاطفية وهذا ما يقلل من الموضوعية التي تتطلبها الكتابات العالمية.
ونبه نبيل إلى أن للزمن والتوقيت دور في انتشار الأعمال عالمياً، فالسوق هو الذي يحكم، والكتابة موضات تأتي وتذهب، وهناك روايات ناجحة تفشل تسويقياً.
ذكرت سميرة بعض الكتاب والكاتبات الذين ينالون الشهرة فقط بسبب البلاد التي ينتمون إليها، وفضول القراء لمعرفة تفاصيل الحياة في هذه البلدان المنغلقة.

وضع الأستاذ شرف الواسعي سؤالاً: ما الذي يمكن أن يضيفه هذا النوع من الكتابة المتمردة إلى الأدب؟
رأى شهاب أن شكري ربما اعتقد أنه مطالب بإيصال رسائل الطبقة المسحوقة بهذه الطريقة، وأشار حمزة بأن الممنوع مرغوب وضرب مثالاً لذلك رواية جوستين التي انتشرت بشكل كبير وترجمت إلى لغات عدة رغم كل ما أثير حولها.
أكدت سميرة الزهري أن الكاتب الحقيقي هو الذي يغير شيئاً داخلك، ويغير بعض مفاهيمك، ولكننا نجد كتاباً يثيرون العواطف دون إضافة حقيقية، والقراءة لهم لا تجعلك مثقفاً بل تجعلك كئيباً فقط، لذلك هي تنصح بقراءة بعض الأعمال من هذا النوع من أجل المعرفة ثم التوقف عنها.
أكد حمزة على هذه الفكرة ورأى أن الإكثار من قراءة هذا النوع من الأعمال يكسر البديهيات والقيم الأخلاقية، وهذا غير صحي وقد يؤثر على حياة الإنسان الواقعية خاصة في المجتمعات المحافظة.
طلب نبيل الابتعاد عن كلمة “لازم” في الحياة، فربما يقصد الكاتب من كتاباته مجرد استفزاز شعور معين، وأكد شهاب على ذلك حيث ذكر أن الكاتب الناجح هو الذي يترك أثراً فيك ولو كان أثراً شعورياً.
رأى عبدالواسع الأدومي أن المنتقدين يهاجمون الكاتب بدلاً من معالجة السبب، وهذا ما حدث مع شكري حين منعت الحكومات كتبه. 
واختتم النقاش بعبارة قالها المترجم والمناضل الإسباني الكبير خوان مارسيلو حين أصدر ترجمته الإسبانية لرواية الخبز الحافي حيث ذكر أنها: “أول سيرة بيوغرافية عربية حقيقية”.

 

{gallery}eventgallery/Lib14{/gallery}

 
0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *