عرض الفيلم الوثائقي اليمني (موتى بلا قبور)
قبور مجهولة مرقّمة، وجثث مكدسة فوق بعضها في ثلاجات الموتى، وامرأة تعمل في الظل، تلاحق الكاميرا خطواتها بين المقابر والمستشفيات ومكاتب النيابة، كانت هي الحيّ الوحيد بين الأموات.
بعد تقرير قدّمه الإعلامي والصحفي عبدالولي المذابي قبل 12 عاماً عن الجثث الموجودة في ثلاجات الموتى في المستشفيات، عاد بتحقيق استقصائي متلفز عام 2014، حصل به على جائزة من شبكة أريج للصحافة الاستقصائية عام 2016.
تم عرض الفيلم بحضور مخرجه عبدالولي المذابي وبطلة قصته سعاد المغربي، مساء الثلاثاء 18 يوليو 2017 في مؤسسة بيسمنت ضمن نشاط (سينما لوميير) الذي تمنح فيه المؤسسة الفرصة لصنّاع الأفلام المحلية لعرض أعمالهم على الجمهور.
تناول الفيلم مشكلة تكدّس الجثث في المستشفيات دون دفنها، والتي زادت في الفترة الأخيرة بسبب الحرب، كما توجد جثث قديمة مجهولة الهوية، وجثث لمن ينتمون إلى ديانات أخرى لا يُسمح بدفنهم في مقابر المسلمين، وكذلك الجثث التي يعجز أهلها عن دفع تكاليف العلاج في المستشفيات التي حدثت فيها الوفاة.
بعد عرض الفيلم اعتذر عبدالولي المذابي عن المشاهد المؤلمة، وقال إنه حين قرر أن يعيد فتح هذا الملف الذي بدأه قبل 12 عاماً لاحظ للأسف أن المشكلة قد زادت، وهناك جثث محتجزة منذ 9 أعوام، وأشار باحترام وتقدير إلى بطلة الفيلم سعاد المغربي التي قررت أن تقوم بعمل إنساني فريد من نوعه، وهو متابعة هذه الجثث والعمل على دفنها عن طريق حلّ قضاياها بالاتفاق مع النيابة، أو الحصول على تبرعات لدفع تكاليف الدفن، وتوفير المقابر الخاصة في الحالات التي تحتاج إلى ذلك.
بدأت قصة التحقيق عندما قرأ المذابي خبراً عن مشادة حدثت بين وزير الصحة ووزير الداخلية بسبب جثة لم تتسع لها ثلاجات الموتى في المستشفيات الحكومية، لذلك ألقيت أمام وزارة الصحة، ما جعل عبدالولي يبدأ بعمل تحقيق استقصائي عن هذه القضية، حيث التقى في دهاليز مكاتب النيابة والمستشفيات بسعاد التي لفتت انتباهه بحرصها على حل هذه القضايا دون مقابل.
في حديثه عن الحلول التي يقترحها لهذه القضية قال المذابي إن الموضوع معقد إدارياً فلا يوجد قانون يحد منها، رغم أنه بعد التقرير الأول الذي أعدّه تم إصدار قرار يسمح باستخراج تصريح دفن بعد 15 يوماً من عرض إعلان عن الجثة في الصحف الرسمية، كما اضطرت بعض المستشفيات في الحرب الأخيرة إلى إضافة بعض الأدراج إلى ثلاجاتها كجزء من الحل، لكن هذا لم يؤثر كثيراً فما زالت توضع في الدرج الواحد أكثر من ثلاث جثث.
يقول المذابي إن من أسباب هذه المشكلة وجود 4 أطباء شرعيين فقط في البلاد، وهذا ما جعل الكثير من الجثث تنتظر لأكثر من عامين أحياناً دون أن تعرض على طبيب شرعي، كما توجد جثث لمهاجرين غير الشرعيين ترفض سفاراتهم التدخل بعد موتهم، كما تبرز مشكلة المعسرين الذين لا يملكون ثمن العلاج وتكاليف الدفن، ووجود ثقافة مجتمعية ترفض دفن القتيل قبل الأخذ بثأره، وتترك أشلاء وجثث أطفال خدّج دون دفن.
ويزيد من صعوبة حل هذه المشكلة وجود أخطاء في سجلات الموتى في هذه المستشفيات والعشوائية في الترتيب أحياناً، وعدم التنبه إلى أن إعلانات الوفاة لمجهولي الهوية في حوادث الطرقات مثلاً تعرض في صحف لا تصل إلى المديريات والقرى.
تتبرأ كل جهة من مسؤوليتها مؤكدة أن الدفن ليس من اختصاصها، لذلك قامت سعاد بعملها، ونذرت حياتها لهذا العمل الإنساني، رغم أنها واجهت صعوبات في عملها حيث اتهمت بالعمل لصالح جهات سياسية، كما منع عنها بعضهم مستحقات خصصتها لها بعض المستشفيات لدفع تكاليف متابعتها لهذه الحالات وتكاليف عمليات الدفن .
أجابت سعاد عن أسئلة الجمهور، حين سألتها رنا السعيدي: لماذا تفعلين كل هذا؟!
أجابت سعاد بأنها تشعر براحة نفسية، وتشعر أنها قدمت شيئاً للإنسان في بلدها.
الدكتور نبيل العودي أشار في مداخلة له إلى جذور المشكلة كانعدام النظام في البلاد، ويجب أن ننتبه إلى شيئين لحلها؛ الأول كيف نمنع وقوع الحوادث باتخاذ إجراءات الأمن والسلامة، والآخر كيف نتعامل مع الحالة بعد وقوعها من ناحية العلاج والرعاية والتأمين الصحي والاجتماعي، فالأساس في تفادي الكثير من المشاكل هو الاهتمام بالصحة والتعليم.
أحد الحضور أبدى أسفه لأننا أصبحنا نبحث عن كرامة الإنسان وهو ميت، وأكد أنه يجب تحديد المسؤول المباشر لنتمكن من حل القضية دون إلقاء المسؤولية على الآخرين، كما شكر سعاد والمذابي على عملهما، وسأل سعاد كيف بدأت؟ وكيف تمكنت من الاستمرار رغم أنها لن تجني الشكر ممن تقدم لهم المساعدة فهم أموات؟
أجابت سعاد بأنها بدأت العمل كمتطوعة في الهلال الأحمر، وعندما رأت مأساوية الوضع قررت أن تستمر وتجعله رسالة حياتها، لا لشيء إلا للراحة النفسية التي تشعر بها حين تدرك أنها قدمت شيئاً حقيقياً بدلاً من المشاهدة والتحسر فقط.
في مداخلة لشهاب الأهدل تساءل: لماذا تأخذ الدولة مبلغاً من المال على عمليات الدفن الذي يجب أن يكون مجانياً، وأكد أنه يجب أن يُسلط الضوء على هذه المسألة، فهناك من يستثمر آلام الناس.
أحد الحاضرين ذكر أن المقابر وقف، والمبالغ التي تُدفع هي أتعاب الحفر وثمن الأحجار، كما أن من تعاليم الدين عدم جواز دفن غير المسلم في قبور المسلمين كما يقول.
مداخلة لإحدى الحاضرات سألت سعاد كيف قابلت أسرتها عملها في هذا المجال الغريب؟
أجابت سعاد أنها تحصل على التشجيع من أسرتها ودعمهم لها في عملها، ومساعدتها فيه أيضاً.
شيماء جمال طرحت سؤالاً استنكارياً: هل أصبح صعباً أن نحصل على قبر يحفظ لنا كرامتنا بعد موتنا؟!
وتساءلت عن موضوع عدم دفن الأجانب من أديان أخرى رغم أنهم عملوا هنا لخدمة وطننا، علّقت سعاد على هذه النقطة وأشارت إلى أن أحد المتبرعين تبرع بأرض يدفن فيها الأموات من غير المسلمين، رغم أن مشاكل حدثت على هذه الأرض فيما بعد.
تحدث عزيز مرفق أيضاً عن هذا الموضوع حيث ذكر ملاحظته للعبث وعدم الاحترام الذي تتعرض له مقابر غير المسلمين، وأكد شهاب الأهدل بأن لهذه المشكلة جذوراً تاريخية، حيث كان يضطر المسيحيون في اليمن قديماً إلى السفر مسافات طويلة لرمي موتاهم في البحر حين يرفض المسلمون دفنهم في مقابرهم.
عبّرت شيماء جمال المدير التنفيذي لمؤسسة بيسمنت عن إعجابها بعمل سعاد المغربي التي أصرّت على استضافتها في هذه الفعالية، ودعت الجميع إلى مشاركة القصة لتسليط الضوء على هذه القضية والمساهمة في حلها.
الدكتور محمد الشميري تحدّث قائلاً: “مساء الأمل بوجود قبر في المستقبل.. أنا بعد مشاهدة هذا الفيلم أصبحت خائفاً من أن لا أجد قبراً يوماً ما، لذلك أدعو إلى استنساخ أكثر من سعاد واحدة لزرع الأمل وإكمال هذه الرسالة“.
التقرير بقلم/ سحر عبده
{gallery}eventgallery/cine9{/gallery}

Leave a Reply
Want to join the discussion?Feel free to contribute!