القانون ضد الطفولة – ندى الأهدل

عمالة الأطفال جريمة إنسانية من وجهة نظري، لأنها تنتزع الكثير من حقوق الطفل وتحرمه من تعليمه، وتجعل حياته مليئة بالمآسي العظيمة، وتعرض حياته للخطر، كما تعرضه للكثير من المضايقات الجسدية والنفسية، وقد تسوقه إلى الانحراف لأن عمله يتطلب الغياب من المنزل والبقاء في الشوارع فترة أطول.

كما تؤدي إلى اختلاطه بأفراد وجماعات قد تكون مرتبطة بالعصابات الإجرامية أو الانحرافات الأخلاقية، فتجعل منه رجلاً معقداً نفسياً، مما يخلق جيلاً مشوهاً ذهنياً، وينعكس كل ذلك على الأجيال القادمة التي ستأتي بعده، لأن الطفل إذا تربى وسط هذه البيئة سيكون معرضاً للكثير من وسائل الانحراف الأخلاقي والقيمي، وسيبني أفكاراً سلبية عن المجتمع ويعكسها على أبنائه، وسيتم توارث العقد النفسية وتصبح جزءاً من عادات وتقاليد ظالمة وخاطئة يبنى عليها مجتمع غير مستقيم.

عمالة الأطفال من أخطر مشاكل الإنسانية لأنها تضر جيلاً كاملاً وتدمر مجتمعاً سليماً، وتنمو عليها الجماعات الإرهابية لتستفيد من الأطفال في غسيل أدمغتهم واستخدامهم في أعمال إجرامية أو حروب عبثية أو عمليات إرهابية، وعليه نأمل أن تكون هناك إجراءات صارمة لإنهاء عمالة الأطفال والفتيات، وتوفير وسائل اقتصادية بديلة لتحسين ظروف أسرهم حتى يتمكنوا من توفير حياة كريمة لأبنائهم وتعليمهم وتربيتهم بشكل سليم.

 وما نجده في القوانين اليمنية ينظم جزءاً بسيطاً من إدارة عمالة الأطفال، ولكنه يتناسى حجم الكارثة التي تولدها هذه الظاهرة على المجتمع، بل اعتبرها أمراً قانونياً مسموحاً به وهو ما يتعارض مع القوانين الدولية واتفاقية حقوق الطفل، التي وقعت اليمن على الالتزام بها. 

وعليه نأمل أن يكون لمنظمات المجتمع المدني دور بارز وهام للتعريف بخطورة هذه الظاهرة، وإقامة حملات منظمة لإقناع أصحاب القرار السياسي بتغيير القوانين بما يتناسب مع الحفاظ على حقوق الطفل والتأثير مجتمعياً لتجنيب الأطفال ظاهرة العمالة والدفع بهم نحو التعليم، وخصوصاً الفتيات القاصرات اللاتي يعملن في المنازل أو في أماكن أخرى وتعرضهن للتحرش والمضايقات والتجارة الجنسية وهضم حقوقهن في ظروف كثيرة مستغلين طفولتها وفقر أهلها.

 

حقي بأن أعمل – بتول محمد الهيجة

حقي بأن أعمل 

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

في بلاد سادها الفساد، في وضع متدهور، وارتفاع الأسعار، وانقطاع المرتبات الشهرية، والكثير الكثير من الضغوطات الأخرى، آباء وأمهات غرقوا في محيطات وبحار القلق والهم، تستطيع قراءة ما بداخلهم من أعينهم.  بيوت حل فيها الدمار والجوع، جعلت من فيها في حالة يأس واكتئاب مثل يوم لم تشرق شمسه صباحاً.

*  *  *  *

تمتمت الفتاة التي لم تتعدَّ سن الثامنةعشر من العمر والتى بَنت لها أحلاماً بسيطة وأهدافاً وغايات ليست بمستحلية، وبرغم هذه الأحلام والأهداف البسيطة إلا أنها تراها تختفي واحدة تلو الأخرى. 

لا شيء في حياتها سوى أحلام تتلاشى وأهداف تتحطم، ومواهب بسبب الضغوط عليها تكاد أن تُنسى، ولذلك أصبح كل مايدور بعقلها هو: “يجب أن أبحث عن عمل يمكن به أن أساعد فيه والدي وأكفي به نفسي”.

 

قررت أن تخبر الجميع بما عزمت عليه، قالت:

– أريد أن أخبركم بشيء،  لقد قررت أن أبحث عن عمل.

 

– ولماذا؟!

 

– لأنني أريد أن أخفف عنكم بعض الأعباء وأتحمل تكاليف دراستي ومستلزماتي، وأنا حقاً لست قادرة على مشاهدة ما حلمت به يختفي وأنا قادرة على تحقيقه. 

– ولكنك ما زلت صغيرة على العمل

أصرت الفتاة قائلة:

– لم أعد صغيرة إنني في السابعة عشرة، وهناك من هن في عمري يتحملن مسؤوليات أكبر من العمل، فأنا أملك الكثير من الوقت الفائض ويجب أن أستغله في شيء نافع. 

أجاب والدها: 

 – وماذا ستعملين؟

–  في مكتب يطلب شخصاً يملك مهارة في الطباعة وأنا أستطيع فعل ذلك

–  حسناً سنفكر في الأمر

 

في الليل تحدث الوالدان:

– ما رأيك في ما قالته ابنتك؟

–  يقولون إن مرتبات من يعملون في ذلك المكتب لا بأس بها، ويمكن أن تساعدنا في هذا الوضع وارتفاع الأسعار، وستصبح قادرة على كفاية نفسها، بالإضافة إلى أن لا حل لنا إلا هذا الحل.

 

– لكنها ما تزال صغيرة ولم تتعد الثامنة عشرة من عمرها ولم تكمل تعليمها بعد.

 

– لا تقلق بشأنها فهي قوية، كما أنها ذكية، ولديّ كامل الثقة بأنها ستنجح، وأنت تعلم أنها إذا أرادت شيئاً ستسعى إليه مهما كلفها الأمر.

*  *  *  *  *

 

يخرج الكثير من الأطفال إلى العمل لرفع المستوى المادي لأسرهم وتوفير مصاريفهم الشخصية، وتسديد مصاريف دراستهم، ولكن مايدور بعقلي تجاه هؤلاء الأطفال هو: هل سيستطيعون التأقلم مع العمل أم لا؟ وهل سيواجهون ما سيواجهونه من صعاب وحدهم؟ وهل سيجدون من يرشدهم ويقف بجانبهم؟ وهل سنضمن أن يكونوا في أمان؟ وهل سيصلون إلى ما يسعون إليه ؟

 

هكذا علمتنا هذه الظروف والصعاب بأن نتحمل مسؤولية أنفسنا، وَجعلتنا قادرين على الوقوف بعد ضعف وتحمل.

 

ورغم ما حل بحياتنا من صعاب فنحن نمتلك العزيمة الكافية لإزالة هذه الصعاب وإن كانت متحجرة، فسوف يأتي اليوم الذي ستُهدم فيه صخورها، وسنرى النور من خلالها. 

ويجب أن نكون متيقنين بأن ليس هناك عمر محدد يجب أن نتقيد به، مادُمنا قد اقتنعنا بأننا سنواجه كل ما يقف أمامنا، وشعرنا بأننا قادرون على تحمل مسؤولية أنفسنا، وسنواصل سيرنا في تحقيق كل أحلامنا وأهدافنا، فلنا الحق بأن نعمل، وسنناضل رغم قسوة هذه الحياة. 

 

 

الشهادة الجامعية معيار أساسي في تحديد الكفاءات – عرفان الغشمي

كنا في صغرنا نلجأ إلى من هم أكبر منا سناً وعلماً وخاصة ممن تخرجوا من الجامعات لنستفيد من خبراتهم وكفاءتهم. وبالفعل اكتسبنا الكثير من خبراتهم وكفاءتهم التي نقلوها إلينا واستفدنا منها. فكل من يملك شهادة جامعية هو إنسان ذو كفاءة ومهارة لأنه سهر الليالي وبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق حلمه وحصوله على الشهادة الجامعيةويكفيه فخراً حصوله على الشهادة الجامعية التي تثبت أنه تعلم وثابر واجتهد. فقطرة المطر تحفر في الصخر ليس بالعنف ولكن بالتكرار. فكل شخص منا يحلم أو بالاصح يطمح إلى الحصول على الشهادة الجامعية التي لطالما سهر وتعب الليالي في الابتدائية مروراً بالثانوية ثم المرحلة الجامعية للحصول عليها. فمن المؤكد أنه سيكون ذا كفاءة عالية لأنه اجتاز المراحل كاملة للحصول على الشهادة الجامعية التي ستحدد مستقبله وحلمه. وكلنا نعرف أن فرص العمل وإعلانات الوظائف تتوفر في الغالب للحاصلين على الشهادة الجامعية كونها مطلباً أساسياً في العمل، وركيزة مهمة في الجانب الوظيفي، لأنهم ذوي الخبرة والمعرفة مقارنة بغيرهم ممن لايحملون الشهادة، فقد تكون مرتباتهم في الغالب أقل من مرتبات الحاصلين على الشهادة الجامعية. وهذا يدل على أنها مهمة وأنهم أصحاب كفاءات،والقطاعات الخاصة التي يكون معظم موظفيها من حاملي الشهادة في الغالب تحقق أعلى الأرباح الممكنة. ومقارنة بالقطاعات التي يديرها من لايحملون الشهادة فقد تنحدر إلى الخسارة والإفلاس وفي الغالب إغلاق الشركة. فالشهادة مهمة جداً في تحديد الكفاءة، لأن المرحلة الجامعية تزيد الإنسان من العلم والمعرفة واكتساب مهارات فوق مهاراته السابقة. ومن يحصل على الشهادة الجامعية تكون له مميزات، خاصة في القطاع الحكومي الذي يوفر له معظم العلاوات والإكراميات والتأمين الصحي وغيرها من المزايا، لأنه يعمل لصالح الدولة لالصالح شخص محدد. ولو أن الشهادة الجامعية غير مهمة ولاتحدد الكفاءة لما توظفوا في القطاعات الحكومية، فمن لايملك الشهادة الجامعية لايمكنه الحصول على الوظيفة الحكومية التي ستحقق له معظم المزايا. فمن يقول بأن الشهادة ليست معياراً اساسياً في تحديد الكفاءة فقد أخطأ القول ونسي من قام بتعليمه من ذوي الخبرة والكفاءة أصحاب الشهادات الجامعية.

ليست الشهادة معياراً للكفاءة – يسرى عبدالله

الشهادة وسيلة وليست غاية، فكم من خريجي جامعات غربية لايملكون معلومة، بينما نجد خريجي جامعات محلية متفوقين ويرتقون إلى أعلى المراتب. الشهادة لاتصنع عقول البشر، الجدية والأهداف الواضحة هي من تجعل للبشر عقلاً ناضجا. فالشهادة مجرد ورقة كرتونية، بينما المعلومة قصة حياة ونجاح، فهي تنمو خطوة خطوة مع الاطلاع والتعلم والتعليم المستمر، والشهادة تنتهي مع أول تجربة يفشل فيها صاحبها، أما العقول فهي تزيد إصراراً مع كل تجربة . الذين يدافعون عن قضية أن الشهادة الجامعية معيار الكفاءة.. الشهادات الجامعية والمدرسية لن يكون لها أي مدلول تجاه إصرار الفرد على تعليم نفسه بنفسه وتحقيق أحلامه وتطلعاته تجاه نفسه.على مدار التاريخ نجد أن هناك عدد هائل من العلماء والمبدعين الذين أجبرتهم الظروف على ترك المدرسة وعدم إتمام الدراسة والحصول على الشهادة المدرسية والجامعية، وبالرغم من ذلك تحدوا الظروف. إليكم جميعاً يا من درستم و تخرجتم من المدارس والكليات: ماذا حققتم على أرض الواقع؟ لا تجيبوا علي بل أجيبوا على أنفسكم وقارنوها ببعض ما سأحكي لكم وحينها ستنزاح عن أعينكم غمامة جهل مروركم بها. لم يقل جيتس يوماً أنا لست مؤهلا ولا أملك شهادة لتحقق الكفاءة عندي، بل رمى كل الأعذار خلف ظهره ومضى في طريقه بكل ثبات وجدية متحديا ً كل الصعاب. وإذا تحدثنا عن الثراء اللغوي والحس الأدبي فالجميع سيقولون إن الكتاب هم أولئك الحاصلون على شهائد عليا لكن الواقع يثبت عكس ذلك. هل سمعتم عن أجاثا كريستي .. بطلة أدب الجريمة في العالم؟ هي من أكثر الكتاب قراءة على مستوى العالم بعد وليم شكسبير، تم بيع ما يقارب ملياري نسخة من كتبها. لم تلتقِ أجاثا بأي مدرسة حيث تلقت التعليم في المنزل على يد والدتها التي كان لها الفضل الأول في تعليمها الكتابة والتأليف وهي في سن صغير، حيث كانت البداية بعيدا عن أبواب المدارس والجامعات. بل هناك ماهو أكثر إثباتا وأقوى حجة وليم شكسبير حينما حلت كارثة مالية على أهله ترك المدرسة وعاش فترة من الزمن في مدينة ستواتفورد، ثم بعد بضعة سنوات رحل إلى لندن وهناك ظهر نبوغه الشعري فأسس مسرح جلوب. وعندما أصبح لديه المال عاد إلى قريته ليموت ويدفن فيها. الشاهد على هذه القصة أنه رغم مرور خمسة قرون إلا أن أعماله تدرس في كليات الآداب في العالم أجمع. إذا الشهادة ياسادة ليست غاية فهي لا تصنع عقلاً وفكرا ًنيراً، بل الشرب من بطون الكتب ومفهوم الواقع ومعرفة الحلول لكل مشكلة هو معيار الكفاءة، وبدون ذلك هو بحث عن شيء ما في السراب. الشهادة مهما كانت بروازا ًجميلا ً على الحائط، إلا أنها جامدة ميتة لاحراك فيها، والكفاءة هي تلك اللوحة الجميلة المطرزة بياقوت العلم، والممردة بصفائه وعمقه، ولكم الخيار في ذلك إما أن تعيشوا خلف قضبان الوهم، وإما ان تركبوا صهوة المعرفة الحقيقية التي لاتؤمن بزيف وأباطيل.

الماضي الجميل بين الواقع والخيال – نبيل العودي

الحنين إلى الماضي ظاهرة إنسانية متأصلة في سلوك الإنسان، إذ لايوجد إنسان واحد أو مجتمع لاينتابه الحنين إلى الماضي في لحظات كثيرة من حياته، مع وجود فوارق في درجة هذا الحنين وأسبابه وفي الفترة الزمنية، فهناك لحظات تمر بالإنسان يشعر فيها بالحنين إلى الماضي، وهناك أناس ومجتمعات تعيش حالة مستمرة ومتطرفة من الحنين إلى الماضي إلى درجة كبيرة وذلك على حساب العيش في حياة الحاضر والمستقبل. الحنين إلى الماضي ظاهرة إنسانية متأصلة في سلوك الإنسان، إذ لايوجد إنسان واحد أو مجتمع لاينتابه الحنين إلى الماضي في لحظات كثيرة من حياته، مع وجود فوارق في درجة هذا الحنين وأسبابه وفي الفترة الزمنية، فهناك لحظات تمر بالإنسان يشعر فيها بالحنين إلى الماضي، وهناك أناس ومجتمعات تعيش حالة مستمرة ومتطرفة من الحنين إلى الماضي إلى درجة كبيرة وذلك على حساب العيش في حياة الحاضر والمستقبل. ويعود هذا الحنين إلى أسباب نفسية واجتماعية كما يرى الباحثون وعلماء السلوكيات. 

– هل الماضي جميل فعلا كما يقال في البداية؟ لابد من الإشارة إلى أن تقسيم الزمن إلى ماضي وحاضر ومستقبل هو أمر نسبي جدا، ذلك أن الزمن الماضي هو استمرارية للحاضر والمستقبل وتسمى الديمومة، وهذا التقسيم وجداني عاطفي فقط لاغير، ومع ذلك نستطيع أن نميز بين مراحل زمنية مختلفة من خلال بعض التغيرات التي تحمل طابعاً نفسياً اجتماعياً سياسياً ثقافياً واقتصادياً، وإذا نظرنا إلى الماضي لن نجد الكثير من التغيرات في وضعنا في اليمن على كافة الأصعدة.إذا عدنا إلى المرحلة الماضية نستطيع ملاحظة بعض الإيجابيات ، نذكر منها أن المجتمع الفلاحي بطبيعته كان يتمتع بعلاقات يسودها التعاون إلى حد كبير، والتكافل الاجتماعي كضرورة، واحترام القيم المشتركة كشرط من أجل التغلب على ظروف الطبيعة الصعبة والقاسية، وأهم من ذلك كله أنه كان مجتمعاً منتجاً لحاجاته الأساسية مثل الغذاء، وكان أكثر اعتمادا على الذات، هذا النمط من الوجود الذي عزز انتماء الفرد للمكان أولاً ومنحه الشعور بالانتماء ومشاعر الاعتبار والإحساس بالقيمة والاعتزاز والثقة بالنفس، الأمر الذي يعتبر من أهم مكونات الشخصية. 

كل هذا أشعر الإنسان أكثر بالأمان النفسي والطمأنينة ، كما أن العمل في الطبيعة ( الزراعة) من خلال الجهد العضلي كان مصدراً آخر من مصادر الصحة الجسدية والنفسية. كما أن محدودية التفكير التي تتركز حول قضايا محددة سلفاً -الزراعة تحديدا- تجعل الفرد أكثر استقراراً من الناحية النفسية، وأكثر شعوراً بالسعادة لأنه أكثر استمتاعا بصناعة الحياة والمصير، أي أنه يخبر كل تجارب الحياة بنفسه، فمتعة السفر مثلا والتنقل بين القرى والمدن كانت تستغرق أسابيع وأشهر بكاملها مما يتيح للفرد الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمالها، كان الإنسان يزرع يحصد ويطبخ طعامه بيده مما يكسب الإنسان تجربة فريدة وخبرة غاية في الروعة والجمال. 

في وقتنا الراهن نستهلك كل شيء من الخارج ولم نعد ننتج شيئاً، بل تجاوزنا الاستهلاك وهدر الوقت والمال والصحة إلى التدمير الذاتي ، إننا نعاني من نزيف يومي للثروة البشرية وكل الثروات الطبيعية التي تسخر كلها من أجل الحروب والدمار لاغير بدلاً من تسخيرها للبناء للتنمية والتطور وخدمة الإنسان. ويعود ذلك كله في تقديري إلى تهميش دور الشباب الذي لم يحصل على الفرصة الكافية من حيث الرعاية التعليم التربية والتوجية الصحيح.لم يستطع الجيل الجديد أن يقدم نفسه كجيل مختلف عن الأجيال السابقة ومتجاوزاً لها والعكس هو الصحيح حيث أثبتت الأحداث الأخيرة أن جيل اليوم لازال يعاني من التهميش والتبعية للمرجعيات العصبية التقليدية القبلية الطائفية والأيدلوجية والمناطقية.وذلك كله يعود إلى أنماط التربية والتعليم وأساليب التنشئة التي تعتمد أساليب قديمة أساسها الولاء والتبعية للعصبية ثقافة الطاعة على حساب استقلال الفرد وحريته في التفكير وصناعة المصير أن الخروج من هذا المأزق الخطير يتطلب تنمية مستدامة للأطفال والشباب والنشء، وذلك من خلال تنمية الكفاءة الكلية لشباب الجسدية والنفسية المعرفية الأخلاقية والمهنية والجمالية والاجتماعية، تنمية جيل يتمتع بالقدرة الفعَالة أي هوية نجاح أما اليوم فيتم تنمية هوية الفشل حيث يعاني أغلب الأطفال وهم شباب ورجال الغد من سوء التغذية والتقزم والحرمان من التعليم والأمراض والعنف النفسي والجسدي والمعنوي والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية في حدها الأدنى والتشرد والفقر وأمراض الخوف والعنف والأحقاد والكراهية والخوف، وكلها تعيق نمو الفرد النفسي الاجتماعي والجسدي وتنمية هوية فشل تعيد إنتاج العنف والدمار باستمرار.وعلى الرغم أن الإتصالات الحديثة قد قدمت فرص غير محدودة للإطلاع على كنوز المعرفة بكل أشكالها إلا أن هناك خطورة كبيرة ترافق هذا التقدم التقني الذي أصبح مجالاً للدعاية الإستهلاكية وثقافة التسلية التي تسطح الوعي وتوجَه كل نشاطات الشباب نحو الاستهلاك لكل أنواع الأفكار المضللة والسلع التجارية والرديئة. 

إن تنمية الإنسان -أي التنمية المستدامة- هي الحل لكل مشاكلنا ما لم فإن الحروب والصراعات المستدامة ستكون هي البديل بدون شك، فشباب اليوم يواجهون تحدياً حقيقياً فإما أن يكون عامل تنمية واستقرار من خلال العلم العمل والإنتاج وإما أن يكون وقوداً للحروب والصراعات.

صراع في حيز الزمان – عبده سالم

(إن الإنسان الفرد، يتغيّر دوماً، وحركاتهُ حركة ديناميكيّة متغيرة لا تعرف السُّكون) إن كل المعايير الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية في تصاعد وتباعد في وجهات نظرها، وكلما تقدم الكون نحو فضاءات نامية تتواكب مع المتغيرات وتتوافق مع العقل الحديث أصبح شكل الفرد أرقى حضاريا ً وأكثر اقبالا على العوالم المتقدمة. (إن الإنسان الفرد، يتغيّر دوماً، وحركاتهُ حركة ديناميكيّة متغيرة لا تعرف السُّكون) إن كل المعايير الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية في تصاعد وتباعد في وجهات نظرها، وكلما تقدم الكون نحو فضاءات نامية تتواكب مع المتغيرات وتتوافق مع العقل الحديث أصبح شكل الفرد أرقى حضاريا ً وأكثر اقبالا على العوالم المتقدمة.

افتقدت الأجيال القديمة التحوّل الحقيقي للإنسان من بدائيتهِ إلى العالم الحديث، و عانت من عدم القبول بالتحديثات التي طرأت على حياتنا بطريقةٍ سريعة، وعدم المقدرة على التعامل مع الأزمات الجديدة بمرونةٍ ولين. فقد دخل العالم تحت مظلة التكنولوجيا لينتهي عصر الوعي الفردي، ويتحول الوعي إلى جمعي بحيث أصبح التعدد الثقافي يقبع في سفح الإيدلوجيات الفكرية الحديثة . كما أن الجيل القديم كان يسير خلف مقود ديني اجتماعي شديد التطرف، يقود إلى العالم البدائي ولايقبل بالإيدلوجيات الحديثة، ليصطدم بترسانات أعلى اجتماعيا ودينيا وأخلاقيا منه أفقدته الرؤية والاحتواء للمفاهيم والمتغيرات التي كانت تطرأ على المجتمع مما أدى إلى إغلاق آفاق حضارية كانت لتقرّبنا من العالم . ومع قدوم الجيل الحديث تلاشت صور الأساطير والترسانات المقعرة منذ آلاف السنين في عقول حقبة الستينات والسبعينات، وبدأ التنوير يدخل دائرة المجتمع اليمني، وبدأ الشباب يشكل حيّزاً ثقافياً اجتماعياً أخلاقياً حقيقياً يقارع الثقافات المتنوعة بانفتاحها، وتحرّرت العقول من النمطية المفرطة التي عاشها الجيل السابق.وإذا حاولنا المقارنة بين الجيل القديم والجيل الحديث سنجد ماهو متغير تغيرا ً كاملا ً سواء من الجانب السلوكي أو الاجتماعي أو الأخلاقي.

إذ توفرت لهذا الجيل حرية التعبير وإبداء رأيه بكل حريةٍ بعيدا ًعن المجتمع المحافظ المغلق الذي كان يمتلئ بالجهل والعادات المعقدة، والتي كانت فيه الآراء المخالفة كفراً. هذا الجيل أخرج لنا إنساناً حرا ً يستطيع الاختيار كما خلقه الله دون قيود ودون تكبيل لآرائه، يحترم المرأة ويؤمن بالفنون بجميع أنواعها متفتحا ً ومقبلا ً على الحياة مؤمنا بأفكارهِ بعيدا ً عن سخط الأهل والمجتمع . وهناك سؤال يطرح نفسه: هل كان الجيل السابق أفضل منا معرفيا وأخلاقيا في نفس المرحلة العمرية التي نحن فيها؟ بالطبع لا، فهذا الانفتاح العالمي العظيم رسّخ مفاهيم وأبعاداً جديدة في عقول الجيل الجديد وجعله أكثر اختلافا وتميزا ً بفكرهِ ورؤاهُ.

ومع التغيرات التي طرأت على الأجيال صار هذا من الماضي، تنوّرت العقول وتخلّصت من إرهاصات الضلالة التي كانت مسيطرة لفترة طويلة على عقول الكثير من القدامى، وصار الشاب اليمني متفتحاً، قريباً من العالم المتطور راكباً موجة السلام والتعايش مع الجميع ويؤمن بأفكارهِ أكثر من ذي قبل. كما يمكن القياس بين فترتين ووضع تساؤل كبير: هل الجيل الذي عاش الانغلاق والجهل ومحدوية المعلومة أفضل من الجيل الذي بدأ رحلة الثقافة والمعرفة والانفتاح وانتشار المعلومة بطريقة سريعة؟ هل الجيل الذي كان يعيش محدوية المعرفة وعدم توفر الكتب والقيود التي كانت تحيط بالمجتمع والمكتبات، أفضل من جيل عاش زمن الكتب الإلكترونية والورقية التي أصبحت دون رقابة كالسابق؟

الأنترنت ومنصاته .. الدور النهضوي الخلاق- عبدالرشيد الفقية

لإنترنت أداة خلاقة من أجل المعرفة والتواصل ، توفر مساحات ومنصات وفضاءات لتداول الأفكار والمعلومات والمعارف بسلاسة وانفتاح ، وتعمل على إزالة جدران العزل المضروبة ، ولا يمكن إلا أن يكون أداة إيجابية لتقليص الفجوة بين المجتمعات والثقافات ومد جسور التواصل وتعزيز المشترك الإنساني .
يتيح الإنترنت مساحات تعيد الاعتبار للكلمة ، والفكرة ، والحجة ، للنقاش والجدل والسجال ، للمعرفة ، المعلومة ، النظرية ، والعقل ، ويؤمن بيئة صديقة لعدوى المعرفة بالانتشار دون حواجز أو حدود .
تخلق منصات الإنترنت ونوافذه المختلفة مناخ صحي لعرض مختلف الأفكار والرؤى والمعتقدات في النور, جنباً إلى جنب مع كم هائل من الأفكار الأخرى المشابهة لها والمتناقضة معها والمختلفة عنها ، من غير قسر أو حصر أو قولبة أو تقديس ، مع حرية إخضاعها جميعها أو بعضها للنقاش ، والتشكيك ، والغربلة ، وإثارة الأسئلة ، ومباشرة حرية الضمير والاعتقاد والفكر .

الإنترنت ونوافذه ومنصاته ابتكار إنساني آخر في مضمار النضال الإنساني الطويل لتمثل قيمة الحرية وإنفاذها في أوسع نطاق لينعم بها أكبر عدد ممكن من البشر ، والحرية خير محض ، تقدم محض ، سلام محض .

لا يمكن للتعايش ، والحوار ، والقبول بالآخر ، والسلام ، والأمن ، والتنوع ، وكل قيم وشروط نهضة المجتمعات ، الحياة والازدهار والإثمار إلا في ظل الحرية كضامن حضاري حقيقي .

من سمات هذا الفضاء الرحب ، أنه يساوي بين جميع البشر دون تمييز على أي أساس ، في حق الوجود فيه ، والفرص المتساوية للاستفادة من متاحاته وموارده ، والتنافس من خلاله بندية ، لإثبات الجدوى ، والصلاحية للاستمرارية ، والجدارة لتحقيق فتوحات في وعي البشرية وضميرها وتراكمها الحضاري .
حين تحتل الكراهية ، والتحريض ، والبدائية ، والحث على العنف ، والانعزالية ، وغيرها من ألغام التخلف وفخاخه ، مساحة في هذا الفضاء ، فهي فرصة يمنحها هذا الفضاء للعقل الإنساني لفهم تلك الأوبئة وتشخيصها وتتبع مولداتها من أجل علاجها والتعافي منها . 
لقد حققت منصات مثل فيسبوك وجوجل وتويتر إنجازات وفتوحات لصالح المعرفة والانفتاح والحوار الحضاري الخلاق والتعايش والتغيير الاجتماعي في بضع سنوات أكثر مما حققته الإنسانية في قرون كثيرة ، ولا يزال كما يبدو أمام ثورة الاتصال الكثير والكثير لتنجزه في هذا المضمار خلال السنوات القليلة القادمة .
لقد كسرت ثورة الاتصال احتكارات كثيرة ضداً على الوصاية بمختلف أشكالها لصالح حرية المعلومة وحق المعرفة والحرية الشخصية في طريق الوصول إلى المواطنة الفاعلة . 
من واقع تجربتي الشخصية، فكل الفرص التي حالفني الحظ بها ، وكل خطوة أنجزتها ، كان الإنترنت وأدواته الرئيس في اقتناصها ، لهذا أستطيع القول أنه أثر في حياتي أكثر من المدرسة ، والأسرة ، والمجتمع .

الأنترنت مجرد مرآة – جمال حسن

من وجهة نظري يشكل الانترنت فضاء سهل لتواصل الافكار، لكن ذلك لا يفضي بالضرورة لتعزيز التعايش. لطالما كان التواصل بين البشر عبر التاريخ، يقود للتفاهم او الصراع. يمكننا القول ان الانترنت عزز التواصل بصورة غير مسبوقة بين البشر، لكنه مجرد مرآة تعكس المجتمع بأفكاره وقيمه ومشاعره.
كما اننا سنتساءل عن اي نوع من التعايش. ففي كثير من انماط التعايش تتنامى مشاعر التمايز داخل المجتمعات ولأسباب متعددة. والتواصل قد يتخذ صيغ متبادلة من الكراهية والضغائن، وفي البلدان التي تراجعت لديها درجات العنصرية، صار لديها قوانين تجرم الشحن العنصري، اضافة إلى ارتفاع درجة الوعي المناهض لأي خطاب يتضمن كراهية.
يمكن للإنترنت ان يكون وسيلة لتعميق الشقاق، خصوصاً حين يكون فضاء للجدال الطائفي او المناطقي. حيث نه مجرد سطح تطفو عليه النبرة السائدة داخل المجتمع، وكما حدث مؤخراً تحولت وسائل التواصل الاجتماعي ادوات شحن مستمرة، بما انها صارت صفحات بوح بالكراهية والعدوانية في كثير من الوقت. كما ان التحيزات تتشكل بأقصى درجات تطرفها.
وعلى سبيل المثل لم يكن تعاطي اليمنيون قبل الحرب بنفس الحدة التي اظهرت كل اشكال الكراهية. هكذا صارت مواقع التواصل الاجتماعي انعكاس لميول الجمهور العام بكل تناقضاته وتحيزاته وامراضه، وحتى بعض جوانبه الايجابية. بل ان شرائح واسعة من المجتمع صارت تتخندق كما لو انها تمارس حربها الخاصة. ولم يقتصر الامر على العوام، بل ان كثير من النخب سقطت في غوغاء يدعو للشقاق.
فالإنترنت، وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعية صارت اشبه بتوثيق يومي لآراء الناس. وليس بالضرورة ان يكون عامل لرفع الوعي، وتعميق الحوار البناء، حيث لا تعرض الافكار بطريقة منهجية. لأن ثقافة النت هي ثقافة السرعة، ولا تشكل مصادرها مراجع يمكن الاعتماد عليها. مع هذا يمكنه ان يكون فضاءً لحدوث تفاعل بناء بين الأفكار المختلفة، وفي الوقت نفسه لإشعال صدام يؤجج الخصومات.
احدثت مواقع التواصل الاجتماعية نقلة في التفاعل المباشر بين الناس، سنجد مجموعة من البشر يتفاعلون في نفس اللحظة مع بعضهم البعض عبر مسرح مضيء لشاشة الكترونية، بينما هم في الحقيقة يعيشون في أماكن متباعدة داخل مدينة ما، او في مدن مختلفة تفصلها آلاف الأميال. لم يعد الانترنت وسيلة تواصل عادية، بل عالم واسع لاحتكاك الأفكار والمشاعر والرغبات دون حدود او حواجز.
وبينما تشكل وسائل التواصل التقليدية مثل التلفاز والصحف، طريقة تواصل ثابتة بين نخب وجمهور، وهذا التواصل يقوم على معايير في الأساليب الخطابية سواء كانت مكتوبة او مرئية، اما النت فهو اكثر الوسائل انفلاتاً ولا يمكن تحديد معيارها. كما انها اكثر الوسائل ارتباطاً بالذائقة المباشرة للجمهور دون تدخل النخب، لتشكيل موجة الرأي السائد.
واتذكر تعليق صديق حول الفيس بوك باعتباره نقل فضاء الرأي من المستوى النخبوي، الذي تحتكره وسائل التواصل التقليدية إلى المجال العام. وصار بإمكان فرد عادي من ايجاد فضاء عام للتعبير عن نفسه. لقد اتسعت سلطة الهامش، وبالتالي ستتشكل انماط جماهيرية اكثر انفلاتاً وقادرة على اثبات نفسها بما تحدثه من ضجيج في عوالمنا الصغيرة والكبيرة. وفي هذا الحيز الطبوغرافي المتعدد العوالم، تطغى اصوات الجمهور وذائقته على ما يفترض ان يكون نخبوي. وفي ذلك قد يطغى السلبي على الإيجابي، لأن الجمهور ينجذب لأكثر الأصوات ارتفاعاً وضجيجاً، بينما الأفكار الأكثر عمقاً تحتفظ بدائرة تأثير محدودة.
لكن هناك جوانب ايجابية اتاحها النت وصفحات التواصل الاجتماعية تحديداً، حيث اصبح لكل شخص منبر رأي بصرف النظر عن ماهية افكاره او عن طبقته. مع هذا، هناك مساحة الغثاثة تزيد. وما فعلته صفحات التواصل الاجتماعي القت الشارع برمته، للمجال العام، بحيث يمكن متابعته. ومع انه ايضاً مجتمع غير حقيقي، بمعنى ان النت لا ينقل لنا العالم كما هو. فكما قلت هو مجرد مرآة تعكس كثير من ميول المجتمع وافكاره وقيمه، لكنه مسرح للتضخيم والمبالغة، مثل كل وسائط التواصل، إذ تبالغ في تصوير قضية بأكثر مما يمكن ان يكونه الواقع. ثم هناك ايضاً الاشاعات والتفاعلات المبنية على تزييف الوقائع، كل هذا يتيحه الانترنت، ويعطي مساحة للتلاعب والتحوير.
اتاح النت حيزاً واسعاً لنقل الأفكار العادية وحتى اكثرها سذاجة. فالشارع يشكل حيزاً محدوداً لتصادم الأفكار وتفاعلها، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا الفكرية والعقائدية. اما النت فينقل فضاء الشارع المحدود إلى عوالم اكثر اتساعاً. فالآراء التي كانت تُقال في حيز الشارع المحدود، ولا يمكن والتفاعل اليومي مع المواقف السياسية العامة او المسائل المجتمعية تصبح متاحة في المجال العام، ويمكن لأي شخص متابعة تفاصيلها. ولهذا يصبح النت اشبه بناقل عدوى هائل للتفاعلات. فكما يمكنه ان يكون وسيلة لتحفيز الضغائن والكراهية يمكنه ايضاً ان يصبح منصة لتعزيز التعايش.
مؤخراً تعرض كاتب شاب لمحاولة اغتيال على يد متطرفين في عدن. كان التعاطي مع الحادثة الاجرامية مريعاً، وظهرت عشرات الأصوات التي تؤيد قتله لأنه ملحد من وجهة نظرهم. ولا يمكن اعتبار كل الاصوات المؤيدة لفعل القتل، لمعاقبة شخص على وجهة نظره، تنتمي للتنظيمات المتطرفة الارهابية. لكنها صورة تعكس نمط التفكير السائد، ودلالة على الحاضن الذي تعيش عليه تلك الجماعات، وإن بطريقة غير مباشرة.
كما ان تكنولوجيا النت استغلتها منظمة ارهابية كداعش لاستقطاب ارهابيين حول العالم. وكونه فضاء يصعب التحكم به، يمكن لتوظيفه في سجالات ذات بعد طائفي او مناطقي ان تترك اثرها. مع هذا، يبقى الانترنت ميزة اتاحت للعالم الافكار والقيم دون حدود؛ انها وسيلة حررت الحواجز وجعلت العالم متقارباً كما لم يكن من قبل.

حول مفهوم التمييز الايجابي لصالح المرأة وفعاليته – أمل أحمد عمر

التمييز الايجابي مكسب للمرأة وجواز مرور للحصول على كامل حقوقها المشروعة أم إجراء شكلي ساهم في تغطية مظالمها الأعمق؟؟!!

كذلك هل التمييز الإيجابي كان إنصافاً وتعويضاً للمرأة لصراعها الطويل لنيل حقوقها أم وسيلة ساهمت في الإقرار بضعف المرأة وقلة شأنها، واعترافاً كذلك بعدم كفاءتها ؟؟!!

بدايةً، إن مصطلح التمييز الايجابي قائم على تناقض بين مفردتيه مما أضفى عليه ضابية وغموض زاد من الشكوك حول مشروعيته ومدى فعاليته، هذه الشكوك أتت من كون (التمييز) بطبيعته أمراً سلبياً؛ فكيف يمكن أن يوصف بكونه إيجابياً؟ لذلك درجت بعض الدول على تغيير التسمية والتي كانت ترجمتها (الفعل الايجابي).

فالتمييز هو جعل شخص أو فئة من الأشخاص يمتازون عمن سواهم، بمنحهم ميزة أو ميزات مع منعها عن الآخرين، وبالتالي فان التمييز هو في أساسه حالة من حالات إجهاض المساواة ومن ثم هو وجه من أوجه اللاعدالة، لأن الحقوق الممنوحة والأوضاع المقدرة كامتيازات لفرد أو فئة يقابلها بالضرورة حرمان للآخرين منها.

وبالتالي فإن الإشكالية التي يطرحها موضوع مشروعية التمييز تتمثل في معرفة هل التمييز الإيجابي خرق لمبدأ المساواة أم ضمان لتحقيقه؟

إن التاريخ الإنساني مليئ بنضالات المرأة ضد كل قيم الاستبعاد تبعاً للنوع، بل وقد دفعت ثمناً غالياً للحصول على بعض من حقوقها وقليل من المكتسبات عبر تضحيات النساء عبر التاريخ، لذلك فإن أولى الأسس الداعية إلى التمييز الإيجابي لصالح المرأة هي (العدالة التعويضية) أي أن للمرأة مظالم عبر التاريخ ويجب أن تعوض عن تلك المظالم بمنحها قيمة تفضيلية نتيجة لذلك.

وبما أننا نعترف للمرأة بحقوقها المهضومة عبر التاريخ؛ يجب علينا أن نقر بأحقية منحها تعويضاً مقابل ذلك كله.

ولكن… قبل الخوض في ذلك يجب الإقرار بأن العدالة التعويضية أنتجت لنا قيمة من عدم المساواة والتمييز العكسي، حيث أننا حين نمارس تمييزاً إيجابياً لصالح فئة فإننا بالضرورة نمارس تمييزاً عكسياً ضد فئة أخرى حملت وزر الإقصاء والتمييز بالوراثة أو بالانتماء إلى جنس الذكور، وليس شرطاً أن تلك الفئة المميزة سلبياً كأفراد قد قاموا بفعل التمييز والإقصاء ضد المرأة بأنفسهم.

وعليه، فالاعتراف بالتعويض لصالح الضحايا الأفراد المؤهلين (تمييز الفئة المستحقة) هو الأجدى والأكثر عدلاً من وضع قانون شامل لأفراد قد يكونو تمتعوا بحقوقهم وليسوا بحاجة لأن يطبق لصالحهم التمييز الايجابي.

 

فإقرار الحق في المعاملة المتماثلة دون تأمين القاعدة الموضوعية لبناءها قد لا يعني أكثر من تكريس الجور من حيث يراد العدل.

ومن تطبيقات التمييز الإيجابي أننا قمنا بتوظيف صفوة المجموعات المضطهدة ممن تجاوزوا بدرجة ما وضعهم المتردي، إلا أن ذلك لا يغيير من واقع التمييز والإقصاء شيئاً ولا يساهم في معالجة الأسباب الأساسية التي تقف وراءه.

بل بالعكس؛ فقد أقرينا بعدم الكفاءة وأطلقنا خصلة (الضعف) على الفئة المميزة إيجابياً ووصفناها بأنها أقل شأناً، كذلك أضفنا على كاهلها حمل التشكيك بقدراتها الذاتية، وبالتالي قوضنا ثقة تلك الفئة بنفسها وقللنا من تقديرها لمكاسبها الذاتية؛ فإذا فشلت فإن فشلها يؤكد على عدم كفايتها وعدم تأهيلها، وإن نجحت سينظر الى نجاحها على أنه نتيجة معاملة خاصة وتفضيلية أكسبتها هذا النجاح.

وبدلاً من إثبات الكفاءة، والإقرار بالمكاسب التي دفعت مقابلها المرأة الغالي والنفيس،  فإننا نقر مراراً وتكراراً بالصورة النمطية للمرأة الأكثر ضعفاً وحاجة، وبذلك نضعها في المحك نتيجة منحنا المصوغ والغطاء لمن يسعى لتقويض مكاسبها وإلصاق الفشل بمسيرتها.

ونصبح في مواجهة سؤال ملح: هل يجوز اتخاذ تدابير المساواة في الفرص على حساب أفراد آخرين تم تمييزهم عكسياً؛ في حين أنهم لم يقترفوا بأنفسهم جريرة الاقصاء أو التمييز؟!

وذلك بدوره يسهم في إشاعة العداء بين الجنسين بدلاً من الانسجام، وبالتالي تصاعد للممارسات التعسفية اتجاه المرأة نتيجة لسيطرة هذا الجو المتشنج ويتبع ذلك خسارة أكبر لمكتسبات الفئة المميزة إيجابياً.

من جهة أخرى أغرقنا فعل (التمييز الايجابي) في بحور من الشكليات، وأصبح صعباً علينا الفكاك من الرمزية في تمثيل المرأة سياسياً عوضاً عن الإنصاف الحقيقي والفعلي لصالحها؛ فكان الحرص على وجود المرأة كرقم رمزي وتأكيد على وجودها عبر هذا الفعل الإيجابي عوضا عن إعمال فعالية هذا الرقم في أحداث الأثر المرجو منه والمطلوب تحقيقه، كفعالية التصويت داخل البرلمانات التي تمثل فيها المرأة بحسب (الكوتة) دون ضمان التغيير الفعلي.

فقد أصبح الإقرار بشكل التمييز الإيجابي صورة غطت على جوهر تطبيقه، وأصبح وجود هذا التمييز شعار لإسكات النساء عن المطالبة بحقوقهن في التمثيل العادل والفاعل، والذي يضمن إحداث التغيير؛ وبالتالي أخذ حقوقهن السياسية كاملة غير منقوصة.

بل بالعكس اقتصر وجودهن وتمثيلهن فقط في القواعد الحزبية الداعمة، وحين يأتي دورهن الأساسي في صنع القرار يتم تمثيلهن بنسبة هزيلة إقراراً لمبدأ التمييز الإيجابي شكلياً وليس موضوعياً. 

إن استسلامنا لفعالية مبدأ التمييز الإيجابي عبر السنين، وعدم وضع سقف زمني يحدد إلى متى سوف نستمر في تطبيق هذا المبدأ، أفقدنا أهم مكسب وهو التقييم الآني لمسيرة اكتساب الحقوق؛ وبالتالي عدم وصولنا لنهج نقدي بناء يساعد المرأة في البناء على مكتسباتها ومراجعة ثغرات هذا المبدأ وتعديله وتقويمه أو إلغاءه.

 

في الأخير، أود أن أنوه إلى أنه من الضروري والواجب على المرأة مراجعة ما حدث عبر تاريخ نضالها الطويل؛ وبالتالي السعي نحو إقرار إجراءات أكثر عمقاً وأبلغ أثر لإنهاء واقع الإقصاء والتهميش.

التمييز الإيجابي لصالح المرأة – وداد البدوي

في الدول التى يصعب على أي شخص مؤهل أن يجد فيها مكانه المناسب وفقاً لتخصصه وكفاءته فإنه لابد من تمييز إيجابي.

 في بلد تُمنح الحقوق فيها بالوساطة أو صلة القرابة أو العلاقات الشخصية والأسرية فإنه لابد من تمييز إيجابي لصالح النساء.

نعم تصبح الحاجة ملحة للتمييز الإيجابي في بلد تُتخذ قرارته الإدارية والمصيرية في مجلس القات الذكوري، الذي تغيب عنه المرأة بسبب العادات والتقاليد، وبالتالي تصبح مستبعدة عن كل هذه القرارات، ومهمشة في كل المهام، وغائبة عن كل الفرص، وتجد نفسها كالغريب، بل وآخر من يعلم بما يدور في المؤسسة التى تعمل فيها، وإن طالبت بحقوقها اتُّهمت في عرضها وشوّهت سمعتها.

هذا على مستوى المؤسسات العادية، أما السلطات الثلاث العليا فإن مجرد تفكير المرأة بها شيء مرفوض وغير مقبول في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد التى تعنّف المرأة وتنظر إليها بدونية، وتمارس ضدها الإضطهاد والإذلال، وتقصيها باستبعادها كلياً عن مراكز صنع القرار في السلطات الثلاث الرئيسية.

وعلى أي حال فإن هذا التمييز الذي يعتمد مبدأ الأفضلية لا يأتي بنساء لمجرد أنهن نساء بل يعطي مساحة لهن، وعندها تتنافس النساء حسب المؤهلات المطلوبة، هذه المؤهلات والخبرات والقدرات الخارقة التى لا تُطلب إلا من المرأة، بينما أغلب الذكور يشغلون وظائف عليا بمؤهلات الحسب والنسب، وعدد كبير من أعضاء البرلمان أولاد قبائل بمؤهلات تسمى “ثقافة عامة”، ويتخذون من العضوية في البرلمان حالة للتباهي و تقوية حضورهم الاجتماعي، ولا يفقهون ماذا تعني “سلطة تشريعية”.

إن نظام الحصص أو ما عرف مؤخراً بالكوتا، يأتي كحلٍّ آني وليس دائم، ويُتخذ في المجتمعات التى ترفض حضور النساء إلى أن تثبت حضوراً نوعياً، وتعطي صورة إيجابية يتقبلها المجتمع ويرضى عنها وتحقق هدفها النبيل في إصلاح الاعوجاج السائد والقائم على النوع الإجتماعي، لأن الكوتا جاءت كإجراء أو آلية لإنعاش ملائم في إنصاف النساء والأقليات، حيث وقّعت عدد من الدول على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والنساء، ووفقاً لذلك فإنها تعطي أموالاً من أجل النهوض بالمرأة واتخاذ التدابير اللازمة لإشراكها في كل مناحي الحياة تنفيذاً للالتزامات الواجبة عليها.

فما الذي يضر الرجل إذا حصلت المرأة على نسبة بسيطة من المراكز، وهو يحظى بالنصيب الأكبر المتبقي، ومع ذلك لا يرضى وتظل عينه على ما تريد المرأة، ليس أنانية فحسب بل خوفا من منافستها.

ورغم إختلافنا أو إتفاقنا مع مجريات الحوار الوطني إلا أن تجربة الكوتا بنسبة ٣٠٪ في الحوار الوطني نتج عنه حضور ناجح ومشرف أشاد به الجميع، فالنساء هن من وقفن ضد جشع الساسة، ووجهن الحوار نحو الدّولة حين كان البعض لا يريد ذلك.

فالمرأة اليمنية تستحق أن تجد لنفسها مكاناً يليق بها، والتاريخ يذكر حكمة بلقيس وحنكة أروى في إدارة مقاليد الحكم، وفي العصر الحديث تقول الدراسات بأن المرأة أكثر إنجازاً في المناصب التى تتولاها في عملها وأقل فساداً، وإذا راجعنا نتائج الثانوية العامة وأوائل الجامعات فسنلاحظ أنها أصبحت ذات طابع أنثوي لكثرة العناصر النسائية فيها، ويكفي أن المرأة لم تتخذ قرارات الحروب والاقتتال، فهي دائماً ما تجنح للسلم وتكون سبباً للسلام، ليس جبناً منها بل حكمةً وحرصاً على الجميع.