The Internet and It’s Platforms… The Role of Creative Renaissance – Abdul rashid

لإنترنت أداة خلاقة من أجل المعرفة والتواصل ، توفر مساحات ومنصات وفضاءات لتداول الأفكار والمعلومات والمعارف بسلاسة وانفتاح ، وتعمل على إزالة جدران العزل المضروبة ، ولا يمكن إلا أن يكون أداة إيجابية لتقليص الفجوة بين المجتمعات والثقافات ومد جسور التواصل وتعزيز المشترك الإنساني .
يتيح الإنترنت مساحات تعيد الاعتبار للكلمة ، والفكرة ، والحجة ، للنقاش والجدل والسجال ، للمعرفة ، المعلومة ، النظرية ، والعقل ، ويؤمن بيئة صديقة لعدوى المعرفة بالانتشار دون حواجز أو حدود .
تخلق منصات الإنترنت ونوافذه المختلفة مناخ صحي لعرض مختلف الأفكار والرؤى والمعتقدات في النور, جنباً إلى جنب مع كم هائل من الأفكار الأخرى المشابهة لها والمتناقضة معها والمختلفة عنها ، من غير قسر أو حصر أو قولبة أو تقديس ، مع حرية إخضاعها جميعها أو بعضها للنقاش ، والتشكيك ، والغربلة ، وإثارة الأسئلة ، ومباشرة حرية الضمير والاعتقاد والفكر .

الإنترنت ونوافذه ومنصاته ابتكار إنساني آخر في مضمار النضال الإنساني الطويل لتمثل قيمة الحرية وإنفاذها في أوسع نطاق لينعم بها أكبر عدد ممكن من البشر ، والحرية خير محض ، تقدم محض ، سلام محض .

لا يمكن للتعايش ، والحوار ، والقبول بالآخر ، والسلام ، والأمن ، والتنوع ، وكل قيم وشروط نهضة المجتمعات ، الحياة والازدهار والإثمار إلا في ظل الحرية كضامن حضاري حقيقي .

من سمات هذا الفضاء الرحب ، أنه يساوي بين جميع البشر دون تمييز على أي أساس ، في حق الوجود فيه ، والفرص المتساوية للاستفادة من متاحاته وموارده ، والتنافس من خلاله بندية ، لإثبات الجدوى ، والصلاحية للاستمرارية ، والجدارة لتحقيق فتوحات في وعي البشرية وضميرها وتراكمها الحضاري .
حين تحتل الكراهية ، والتحريض ، والبدائية ، والحث على العنف ، والانعزالية ، وغيرها من ألغام التخلف وفخاخه ، مساحة في هذا الفضاء ، فهي فرصة يمنحها هذا الفضاء للعقل الإنساني لفهم تلك الأوبئة وتشخيصها وتتبع مولداتها من أجل علاجها والتعافي منها . 
لقد حققت منصات مثل فيسبوك وجوجل وتويتر إنجازات وفتوحات لصالح المعرفة والانفتاح والحوار الحضاري الخلاق والتعايش والتغيير الاجتماعي في بضع سنوات أكثر مما حققته الإنسانية في قرون كثيرة ، ولا يزال كما يبدو أمام ثورة الاتصال الكثير والكثير لتنجزه في هذا المضمار خلال السنوات القليلة القادمة .
لقد كسرت ثورة الاتصال احتكارات كثيرة ضداً على الوصاية بمختلف أشكالها لصالح حرية المعلومة وحق المعرفة والحرية الشخصية في طريق الوصول إلى المواطنة الفاعلة . 
من واقع تجربتي الشخصية، فكل الفرص التي حالفني الحظ بها ، وكل خطوة أنجزتها ، كان الإنترنت وأدواته الرئيس في اقتناصها ، لهذا أستطيع القول أنه أثر في حياتي أكثر من المدرسة ، والأسرة ، والمجتمع .

The Internet is just a Mirror- Jamal Hasan

من وجهة نظري يشكل الانترنت فضاء سهل لتواصل الافكار، لكن ذلك لا يفضي بالضرورة لتعزيز التعايش. لطالما كان التواصل بين البشر عبر التاريخ، يقود للتفاهم او الصراع. يمكننا القول ان الانترنت عزز التواصل بصورة غير مسبوقة بين البشر، لكنه مجرد مرآة تعكس المجتمع بأفكاره وقيمه ومشاعره.
كما اننا سنتساءل عن اي نوع من التعايش. ففي كثير من انماط التعايش تتنامى مشاعر التمايز داخل المجتمعات ولأسباب متعددة. والتواصل قد يتخذ صيغ متبادلة من الكراهية والضغائن، وفي البلدان التي تراجعت لديها درجات العنصرية، صار لديها قوانين تجرم الشحن العنصري، اضافة إلى ارتفاع درجة الوعي المناهض لأي خطاب يتضمن كراهية.
يمكن للإنترنت ان يكون وسيلة لتعميق الشقاق، خصوصاً حين يكون فضاء للجدال الطائفي او المناطقي. حيث نه مجرد سطح تطفو عليه النبرة السائدة داخل المجتمع، وكما حدث مؤخراً تحولت وسائل التواصل الاجتماعي ادوات شحن مستمرة، بما انها صارت صفحات بوح بالكراهية والعدوانية في كثير من الوقت. كما ان التحيزات تتشكل بأقصى درجات تطرفها.
وعلى سبيل المثل لم يكن تعاطي اليمنيون قبل الحرب بنفس الحدة التي اظهرت كل اشكال الكراهية. هكذا صارت مواقع التواصل الاجتماعي انعكاس لميول الجمهور العام بكل تناقضاته وتحيزاته وامراضه، وحتى بعض جوانبه الايجابية. بل ان شرائح واسعة من المجتمع صارت تتخندق كما لو انها تمارس حربها الخاصة. ولم يقتصر الامر على العوام، بل ان كثير من النخب سقطت في غوغاء يدعو للشقاق.
فالإنترنت، وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعية صارت اشبه بتوثيق يومي لآراء الناس. وليس بالضرورة ان يكون عامل لرفع الوعي، وتعميق الحوار البناء، حيث لا تعرض الافكار بطريقة منهجية. لأن ثقافة النت هي ثقافة السرعة، ولا تشكل مصادرها مراجع يمكن الاعتماد عليها. مع هذا يمكنه ان يكون فضاءً لحدوث تفاعل بناء بين الأفكار المختلفة، وفي الوقت نفسه لإشعال صدام يؤجج الخصومات.
احدثت مواقع التواصل الاجتماعية نقلة في التفاعل المباشر بين الناس، سنجد مجموعة من البشر يتفاعلون في نفس اللحظة مع بعضهم البعض عبر مسرح مضيء لشاشة الكترونية، بينما هم في الحقيقة يعيشون في أماكن متباعدة داخل مدينة ما، او في مدن مختلفة تفصلها آلاف الأميال. لم يعد الانترنت وسيلة تواصل عادية، بل عالم واسع لاحتكاك الأفكار والمشاعر والرغبات دون حدود او حواجز.
وبينما تشكل وسائل التواصل التقليدية مثل التلفاز والصحف، طريقة تواصل ثابتة بين نخب وجمهور، وهذا التواصل يقوم على معايير في الأساليب الخطابية سواء كانت مكتوبة او مرئية، اما النت فهو اكثر الوسائل انفلاتاً ولا يمكن تحديد معيارها. كما انها اكثر الوسائل ارتباطاً بالذائقة المباشرة للجمهور دون تدخل النخب، لتشكيل موجة الرأي السائد.
واتذكر تعليق صديق حول الفيس بوك باعتباره نقل فضاء الرأي من المستوى النخبوي، الذي تحتكره وسائل التواصل التقليدية إلى المجال العام. وصار بإمكان فرد عادي من ايجاد فضاء عام للتعبير عن نفسه. لقد اتسعت سلطة الهامش، وبالتالي ستتشكل انماط جماهيرية اكثر انفلاتاً وقادرة على اثبات نفسها بما تحدثه من ضجيج في عوالمنا الصغيرة والكبيرة. وفي هذا الحيز الطبوغرافي المتعدد العوالم، تطغى اصوات الجمهور وذائقته على ما يفترض ان يكون نخبوي. وفي ذلك قد يطغى السلبي على الإيجابي، لأن الجمهور ينجذب لأكثر الأصوات ارتفاعاً وضجيجاً، بينما الأفكار الأكثر عمقاً تحتفظ بدائرة تأثير محدودة.
لكن هناك جوانب ايجابية اتاحها النت وصفحات التواصل الاجتماعية تحديداً، حيث اصبح لكل شخص منبر رأي بصرف النظر عن ماهية افكاره او عن طبقته. مع هذا، هناك مساحة الغثاثة تزيد. وما فعلته صفحات التواصل الاجتماعي القت الشارع برمته، للمجال العام، بحيث يمكن متابعته. ومع انه ايضاً مجتمع غير حقيقي، بمعنى ان النت لا ينقل لنا العالم كما هو. فكما قلت هو مجرد مرآة تعكس كثير من ميول المجتمع وافكاره وقيمه، لكنه مسرح للتضخيم والمبالغة، مثل كل وسائط التواصل، إذ تبالغ في تصوير قضية بأكثر مما يمكن ان يكونه الواقع. ثم هناك ايضاً الاشاعات والتفاعلات المبنية على تزييف الوقائع، كل هذا يتيحه الانترنت، ويعطي مساحة للتلاعب والتحوير.
اتاح النت حيزاً واسعاً لنقل الأفكار العادية وحتى اكثرها سذاجة. فالشارع يشكل حيزاً محدوداً لتصادم الأفكار وتفاعلها، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا الفكرية والعقائدية. اما النت فينقل فضاء الشارع المحدود إلى عوالم اكثر اتساعاً. فالآراء التي كانت تُقال في حيز الشارع المحدود، ولا يمكن والتفاعل اليومي مع المواقف السياسية العامة او المسائل المجتمعية تصبح متاحة في المجال العام، ويمكن لأي شخص متابعة تفاصيلها. ولهذا يصبح النت اشبه بناقل عدوى هائل للتفاعلات. فكما يمكنه ان يكون وسيلة لتحفيز الضغائن والكراهية يمكنه ايضاً ان يصبح منصة لتعزيز التعايش.
مؤخراً تعرض كاتب شاب لمحاولة اغتيال على يد متطرفين في عدن. كان التعاطي مع الحادثة الاجرامية مريعاً، وظهرت عشرات الأصوات التي تؤيد قتله لأنه ملحد من وجهة نظرهم. ولا يمكن اعتبار كل الاصوات المؤيدة لفعل القتل، لمعاقبة شخص على وجهة نظره، تنتمي للتنظيمات المتطرفة الارهابية. لكنها صورة تعكس نمط التفكير السائد، ودلالة على الحاضن الذي تعيش عليه تلك الجماعات، وإن بطريقة غير مباشرة.
كما ان تكنولوجيا النت استغلتها منظمة ارهابية كداعش لاستقطاب ارهابيين حول العالم. وكونه فضاء يصعب التحكم به، يمكن لتوظيفه في سجالات ذات بعد طائفي او مناطقي ان تترك اثرها. مع هذا، يبقى الانترنت ميزة اتاحت للعالم الافكار والقيم دون حدود؛ انها وسيلة حررت الحواجز وجعلت العالم متقارباً كما لم يكن من قبل.

The Concept of Positive Discrimination for women and their Effectivness- Amal Ahmed

التمييز الايجابي مكسب للمرأة وجواز مرور للحصول على كامل حقوقها المشروعة أم إجراء شكلي ساهم في تغطية مظالمها الأعمق؟؟!!

كذلك هل التمييز الإيجابي كان إنصافاً وتعويضاً للمرأة لصراعها الطويل لنيل حقوقها أم وسيلة ساهمت في الإقرار بضعف المرأة وقلة شأنها، واعترافاً كذلك بعدم كفاءتها ؟؟!!

بدايةً، إن مصطلح التمييز الايجابي قائم على تناقض بين مفردتيه مما أضفى عليه ضابية وغموض زاد من الشكوك حول مشروعيته ومدى فعاليته، هذه الشكوك أتت من كون (التمييز) بطبيعته أمراً سلبياً؛ فكيف يمكن أن يوصف بكونه إيجابياً؟ لذلك درجت بعض الدول على تغيير التسمية والتي كانت ترجمتها (الفعل الايجابي).

فالتمييز هو جعل شخص أو فئة من الأشخاص يمتازون عمن سواهم، بمنحهم ميزة أو ميزات مع منعها عن الآخرين، وبالتالي فان التمييز هو في أساسه حالة من حالات إجهاض المساواة ومن ثم هو وجه من أوجه اللاعدالة، لأن الحقوق الممنوحة والأوضاع المقدرة كامتيازات لفرد أو فئة يقابلها بالضرورة حرمان للآخرين منها.

وبالتالي فإن الإشكالية التي يطرحها موضوع مشروعية التمييز تتمثل في معرفة هل التمييز الإيجابي خرق لمبدأ المساواة أم ضمان لتحقيقه؟

إن التاريخ الإنساني مليئ بنضالات المرأة ضد كل قيم الاستبعاد تبعاً للنوع، بل وقد دفعت ثمناً غالياً للحصول على بعض من حقوقها وقليل من المكتسبات عبر تضحيات النساء عبر التاريخ، لذلك فإن أولى الأسس الداعية إلى التمييز الإيجابي لصالح المرأة هي (العدالة التعويضية) أي أن للمرأة مظالم عبر التاريخ ويجب أن تعوض عن تلك المظالم بمنحها قيمة تفضيلية نتيجة لذلك.

وبما أننا نعترف للمرأة بحقوقها المهضومة عبر التاريخ؛ يجب علينا أن نقر بأحقية منحها تعويضاً مقابل ذلك كله.

ولكن… قبل الخوض في ذلك يجب الإقرار بأن العدالة التعويضية أنتجت لنا قيمة من عدم المساواة والتمييز العكسي، حيث أننا حين نمارس تمييزاً إيجابياً لصالح فئة فإننا بالضرورة نمارس تمييزاً عكسياً ضد فئة أخرى حملت وزر الإقصاء والتمييز بالوراثة أو بالانتماء إلى جنس الذكور، وليس شرطاً أن تلك الفئة المميزة سلبياً كأفراد قد قاموا بفعل التمييز والإقصاء ضد المرأة بأنفسهم.

وعليه، فالاعتراف بالتعويض لصالح الضحايا الأفراد المؤهلين (تمييز الفئة المستحقة) هو الأجدى والأكثر عدلاً من وضع قانون شامل لأفراد قد يكونو تمتعوا بحقوقهم وليسوا بحاجة لأن يطبق لصالحهم التمييز الايجابي.

 

فإقرار الحق في المعاملة المتماثلة دون تأمين القاعدة الموضوعية لبناءها قد لا يعني أكثر من تكريس الجور من حيث يراد العدل.

ومن تطبيقات التمييز الإيجابي أننا قمنا بتوظيف صفوة المجموعات المضطهدة ممن تجاوزوا بدرجة ما وضعهم المتردي، إلا أن ذلك لا يغيير من واقع التمييز والإقصاء شيئاً ولا يساهم في معالجة الأسباب الأساسية التي تقف وراءه.

بل بالعكس؛ فقد أقرينا بعدم الكفاءة وأطلقنا خصلة (الضعف) على الفئة المميزة إيجابياً ووصفناها بأنها أقل شأناً، كذلك أضفنا على كاهلها حمل التشكيك بقدراتها الذاتية، وبالتالي قوضنا ثقة تلك الفئة بنفسها وقللنا من تقديرها لمكاسبها الذاتية؛ فإذا فشلت فإن فشلها يؤكد على عدم كفايتها وعدم تأهيلها، وإن نجحت سينظر الى نجاحها على أنه نتيجة معاملة خاصة وتفضيلية أكسبتها هذا النجاح.

وبدلاً من إثبات الكفاءة، والإقرار بالمكاسب التي دفعت مقابلها المرأة الغالي والنفيس،  فإننا نقر مراراً وتكراراً بالصورة النمطية للمرأة الأكثر ضعفاً وحاجة، وبذلك نضعها في المحك نتيجة منحنا المصوغ والغطاء لمن يسعى لتقويض مكاسبها وإلصاق الفشل بمسيرتها.

ونصبح في مواجهة سؤال ملح: هل يجوز اتخاذ تدابير المساواة في الفرص على حساب أفراد آخرين تم تمييزهم عكسياً؛ في حين أنهم لم يقترفوا بأنفسهم جريرة الاقصاء أو التمييز؟!

وذلك بدوره يسهم في إشاعة العداء بين الجنسين بدلاً من الانسجام، وبالتالي تصاعد للممارسات التعسفية اتجاه المرأة نتيجة لسيطرة هذا الجو المتشنج ويتبع ذلك خسارة أكبر لمكتسبات الفئة المميزة إيجابياً.

من جهة أخرى أغرقنا فعل (التمييز الايجابي) في بحور من الشكليات، وأصبح صعباً علينا الفكاك من الرمزية في تمثيل المرأة سياسياً عوضاً عن الإنصاف الحقيقي والفعلي لصالحها؛ فكان الحرص على وجود المرأة كرقم رمزي وتأكيد على وجودها عبر هذا الفعل الإيجابي عوضا عن إعمال فعالية هذا الرقم في أحداث الأثر المرجو منه والمطلوب تحقيقه، كفعالية التصويت داخل البرلمانات التي تمثل فيها المرأة بحسب (الكوتة) دون ضمان التغيير الفعلي.

فقد أصبح الإقرار بشكل التمييز الإيجابي صورة غطت على جوهر تطبيقه، وأصبح وجود هذا التمييز شعار لإسكات النساء عن المطالبة بحقوقهن في التمثيل العادل والفاعل، والذي يضمن إحداث التغيير؛ وبالتالي أخذ حقوقهن السياسية كاملة غير منقوصة.

بل بالعكس اقتصر وجودهن وتمثيلهن فقط في القواعد الحزبية الداعمة، وحين يأتي دورهن الأساسي في صنع القرار يتم تمثيلهن بنسبة هزيلة إقراراً لمبدأ التمييز الإيجابي شكلياً وليس موضوعياً. 

إن استسلامنا لفعالية مبدأ التمييز الإيجابي عبر السنين، وعدم وضع سقف زمني يحدد إلى متى سوف نستمر في تطبيق هذا المبدأ، أفقدنا أهم مكسب وهو التقييم الآني لمسيرة اكتساب الحقوق؛ وبالتالي عدم وصولنا لنهج نقدي بناء يساعد المرأة في البناء على مكتسباتها ومراجعة ثغرات هذا المبدأ وتعديله وتقويمه أو إلغاءه.

 

في الأخير، أود أن أنوه إلى أنه من الضروري والواجب على المرأة مراجعة ما حدث عبر تاريخ نضالها الطويل؛ وبالتالي السعي نحو إقرار إجراءات أكثر عمقاً وأبلغ أثر لإنهاء واقع الإقصاء والتهميش.

The Positive Discrimination for Women- Wedad Al Badawi

في الدول التى يصعب على أي شخص مؤهل أن يجد فيها مكانه المناسب وفقاً لتخصصه وكفاءته فإنه لابد من تمييز إيجابي.

 في بلد تُمنح الحقوق فيها بالوساطة أو صلة القرابة أو العلاقات الشخصية والأسرية فإنه لابد من تمييز إيجابي لصالح النساء.

نعم تصبح الحاجة ملحة للتمييز الإيجابي في بلد تُتخذ قرارته الإدارية والمصيرية في مجلس القات الذكوري، الذي تغيب عنه المرأة بسبب العادات والتقاليد، وبالتالي تصبح مستبعدة عن كل هذه القرارات، ومهمشة في كل المهام، وغائبة عن كل الفرص، وتجد نفسها كالغريب، بل وآخر من يعلم بما يدور في المؤسسة التى تعمل فيها، وإن طالبت بحقوقها اتُّهمت في عرضها وشوّهت سمعتها.

هذا على مستوى المؤسسات العادية، أما السلطات الثلاث العليا فإن مجرد تفكير المرأة بها شيء مرفوض وغير مقبول في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد التى تعنّف المرأة وتنظر إليها بدونية، وتمارس ضدها الإضطهاد والإذلال، وتقصيها باستبعادها كلياً عن مراكز صنع القرار في السلطات الثلاث الرئيسية.

وعلى أي حال فإن هذا التمييز الذي يعتمد مبدأ الأفضلية لا يأتي بنساء لمجرد أنهن نساء بل يعطي مساحة لهن، وعندها تتنافس النساء حسب المؤهلات المطلوبة، هذه المؤهلات والخبرات والقدرات الخارقة التى لا تُطلب إلا من المرأة، بينما أغلب الذكور يشغلون وظائف عليا بمؤهلات الحسب والنسب، وعدد كبير من أعضاء البرلمان أولاد قبائل بمؤهلات تسمى “ثقافة عامة”، ويتخذون من العضوية في البرلمان حالة للتباهي و تقوية حضورهم الاجتماعي، ولا يفقهون ماذا تعني “سلطة تشريعية”.

إن نظام الحصص أو ما عرف مؤخراً بالكوتا، يأتي كحلٍّ آني وليس دائم، ويُتخذ في المجتمعات التى ترفض حضور النساء إلى أن تثبت حضوراً نوعياً، وتعطي صورة إيجابية يتقبلها المجتمع ويرضى عنها وتحقق هدفها النبيل في إصلاح الاعوجاج السائد والقائم على النوع الإجتماعي، لأن الكوتا جاءت كإجراء أو آلية لإنعاش ملائم في إنصاف النساء والأقليات، حيث وقّعت عدد من الدول على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والنساء، ووفقاً لذلك فإنها تعطي أموالاً من أجل النهوض بالمرأة واتخاذ التدابير اللازمة لإشراكها في كل مناحي الحياة تنفيذاً للالتزامات الواجبة عليها.

فما الذي يضر الرجل إذا حصلت المرأة على نسبة بسيطة من المراكز، وهو يحظى بالنصيب الأكبر المتبقي، ومع ذلك لا يرضى وتظل عينه على ما تريد المرأة، ليس أنانية فحسب بل خوفا من منافستها.

ورغم إختلافنا أو إتفاقنا مع مجريات الحوار الوطني إلا أن تجربة الكوتا بنسبة ٣٠٪ في الحوار الوطني نتج عنه حضور ناجح ومشرف أشاد به الجميع، فالنساء هن من وقفن ضد جشع الساسة، ووجهن الحوار نحو الدّولة حين كان البعض لا يريد ذلك.

فالمرأة اليمنية تستحق أن تجد لنفسها مكاناً يليق بها، والتاريخ يذكر حكمة بلقيس وحنكة أروى في إدارة مقاليد الحكم، وفي العصر الحديث تقول الدراسات بأن المرأة أكثر إنجازاً في المناصب التى تتولاها في عملها وأقل فساداً، وإذا راجعنا نتائج الثانوية العامة وأوائل الجامعات فسنلاحظ أنها أصبحت ذات طابع أنثوي لكثرة العناصر النسائية فيها، ويكفي أن المرأة لم تتخذ قرارات الحروب والاقتتال، فهي دائماً ما تجنح للسلم وتكون سبباً للسلام، ليس جبناً منها بل حكمةً وحرصاً على الجميع.


Between The Priorities of Life and the Luxury of Arts- Samer Al-Abssi

إن جدلية مسألة الفن من حيث التقييم والتعريف أصبحت مشكلة منذ أوائل القرن العشرين، وليس بعيدًا عن هذه الإشكالية تبرز أيضًا إشكالية أخرى تتعلق بضرورة الفن أو أولويته على قائمة الأولويات في حياة البشر.
والحقيقة أن هناك مأزقًا ما في موضوع مناظرة “الفن ترف أم أولوية”، إذ أن اعتبار الفن ليس بأولوية يختلف عن اعتباره ليس بضرورة، فالقول بأن الفن ليس بذي أهـمية إجحاف ينسف بجهل جهود البشرية في الإبداع وتكوين الذاكرة الفنية البصرية والمسموعة والحركية، وغيرهـما منذ بدء الخليقة وحتى الساعة لكن أن يكون أولوية على ما عداه هو نسف لجهود البشرية في الفكر والعلم والإصلاح التي تتقدم على الفن دونما شك، ولهذا دعونا أولاً أن نكون أكثر دقة وتحديداً، ونقتبس تمامًا مما كتبه معدو هذه المناظرة حين كتبوا:
”
هل يلعب الفن دورًا رئيسيًا في تحسين المجتمع أم ينبغي غض الطرف عنه حتى يأتي دوره؟“
ولعل مما يفهم من هذا التساؤل أن الفن له دور ما في حياة البشر، لكن هل يرقى هذا الدور لأن يكون سابقًا على ما سواه أو لأن يتبوأ محل الصدارة؟
الحياة قبل الفن
بدأ الإنسان الأول حياته بتعلم النطق والكتابة والصيد قبل أن يتعلم الرقص، تعلم كيف يشعل النار، ويختبئ من المطر قبل أن يفكر في الغناء.
لقد كتب كثير من الكتاب الذين ناصروا قضايا الفن محاولين إقناع العالم بأهميته وضرورته وأولويته، وعلى الجانب الآخر وقف رجال الدين والمصلحين الثوريين والمفكرين وغيرهم أمام الفن عمومًا أو أمام بعض المبالغات في تصوير دوره في حياة الإنسانية، وبعيدًا عن هذا الجدل والاستشهادات التي لا تعدو عن كونها أراء قد لا تحتمل الصواب؛ فإننا إذا نظرنا اليوم وبحيادية مطلقة إلى أعظم انجازات البشرية وأهمها على الإطلاق فلن نجد للفن أي دور فيها. بل أن السلام والاستقرار قد سادا أوروبا مثلاً بعد عصور الظلام في القرن الوسطى، ليس يسبب أن قيم الفن والجمال هي التي سادت، أنما بسبب سود قيم العدالة والمساواة والقبول بالأخر، والاحتكام الى الديمقراطية كمنهج للحكم والسياسة، والاتجاه للبناء والتعمير والتكتل الاقتصادي لاحقًا، وليس بسبب التكتل الفني مثلاً.
يستحيل الفن ترفًا عندما نترك القضايا الأكثر إلحاحًا في حياتنا نـحن البشر وخاصة في الدول الأقل نموًا، ومنها التعليم ومكافحة البطالة والفقر وإنهاء الصراعات والحروب، ونحاول أن نقنع أنفسنا عبثًا بأولوية الفن في وقت ركن فيه الغرب إلى البحث العلمي والتكنولوجي وتحقيق الرفاه الاقتصادي وإسعاد الشعوب وهذا كله بدون الفن.
الوجود والفن
لا يخلُ الوجود من الفن، لكن القول بأن الفن هو غذاء الروح، وأن الإنسان لا يستطيع الحياة من دونه هو ضرب من المبالغة، ذلك أن الروح لا تقتات على الفن فقط؛ وإلا لكنا شهدنا أعلى نسب الانتحار في دول العالم الثالث وليس في العالم الأول وتحديدًا الولايات المتحدة والدول الأوربية، إن القيم الروحية التي يستند عليها الإنسان أكبر بكثير من أن تنحصر في الفن فقط، ناهيكم عن أن أنماط الفن الذي يقدم للإنسان المعاصر إنما هو فن استهلاكي لا يشبع القيم الروحية بقدر ما يشبع الحواس والغرائز، وبالتالي فهو لا يؤدي إلى استكانة الروح البشرية. الفنون ما هي إلا انعكاس لحضارات الشعوب وليست مسببًا لها، هذه الشعوب التي ما أن تصل إلى مستوىً عالٍ من الحضارة والرفاهية والتقدم ورغد العيش ما تلبث أن تزدهر فيها الفنون، والتي ما تفتأ بعد مرور زمن من الوقت أن تتحول ‘إلى سبب في فناء تلك الامم أو الحضارات كونها استكانت الى الترف واللهو، ولم تعد تلقي بالًا إلى اسباب تطورها بل وبقائها على قيد الحياة. فهل سمعتم أن أمة ما تقدمت أو أن حضارة ما نشأت بسبب الفنون. ولو أن العالم آينشتاين كان موسيقيًا ولم يكن فيزيائيًا، كما قالها هو ذاته يومًا، ما كان ليفيد البشرية كما افادها بنظرياته العلمية، أكثر بكثير من تلك الفائدة التي كان سيجنيها من الاستماع إلى موسيقاه.
السياسة والفن
قد يكون للفن قوة تأثير بالغة الوضوح أكثر من السياسة، لكن التوظيف السياسي للفن يفرغه من محتواه الحقيقي ويحوله إلى مجرد أداة للترويج لأفكار سياسية أو دينية او ثقافية غير عادلة، كما أن الطابع الاستهلاكي للفن الذي صار يلعب هو الأخر دورًا في جعله مجرد وسيلة لجمع الأموال من قبل الشركات العملاقة، ولعل الغرب وعى أن الألوية ليست للفن، وأن الفن يجب أن يقدم كمنتوج للبيع مثله مثل أي منتج أخر يمكن شراؤه كما ان الفن أضعف من أن يوقف بوجه الارهاب ويمنع تزايده، وليس غيابه أو ضعفه سببًا مباشرًا في تنامي ظاهرة الإرهاب، بل على العكس لربما أن الفن الهابط والفاضح قد لعب دورًا إلى جانب أسباب أخرى عديدة لا يتسع المجال لسردها في رفض هؤلاء لطريقة حياة المجتمعات التي يعيشون فيها، واتخاذهم التطرف منهجًا والإرهاب طريقة للتعبير عن مثل هذا الرفض.
الدين والفن
إن الحديث عن تحريم الفن أو بعض أشكاله عند تيارات من علماء المسلمين من المتقدمين او المحدثين، لا يجب أن يؤخذ عمومًا على أنه رأي الدين الوسيط، وهذه الخلاف لا يؤثر على مسألة أولوية الفن من عدمه، ومثلاً، إن تأثير القرآن على العجم وسواهم ليس بسبب النغم الناتج عن ترتيل الذكر الحكيم باستخدام المقامات الموسيقية، إنما هو بسبب التأثير المباشر لهذا الكتاب المنزل من السماء على حواس وأرواح سامعيه مقارنة بالموسيقى مثلاً، كما هو تأثيره المثبت علميًا على المخلوقات الأخرى في الكون، ومن ذلك تأثيره على جزيئات الماء مثلا، وهو ما استخلصه فريق بحث ياباني و النتائج التي توصل اليها يهذا الصدد منشورة على شبكة الإنترنت.
إن من الخطأ الجسيم مثلاً أن نرجع تراجع الشعر العربي في مرحلة صدر الإسلام إلى رد فعل الشعراء تجاه النص القرآني الذي يتحدث عن الشعراء في سورة تحمل نفس الاسم في مرحلة حساسة ودقيقة من عمر الإسلام، اتجه فيها العرب وهم من نزل عليهم الدين الجديد وهم لا يعرفون شيئًا سوى الشعر إلى أمة فاتحة وعاملة تضع أسس الحضارة الإسلامية. وليس لجعل الشعر والفن تابعين للدين لأن الشعر لم يكن يمثل حينها دور الريادة ولا لم يكتسب القداسة، ولأن الحضارات لا تقوم على الفنون ومنها الحضارة الإسلامية العظيمة، بل حتى أن الأندلس، وهي دولة المسلمين الرائدة في أرض اسبانيا ما زالت إلا عندما بدأ أمراء الطوائف هناك بالركون إلى حياة الدعة والرفاهية وما فيها من فنون ومعازف ورقص، وقد كانوا قبلا أهل جهاد وعلم وفكر.
العلم والفن
يتقدم العلم على الفن وهذا أمر لا ينكره من يقولون بأولوية الفن. وهذه الأسبقية تتعلق بغايات العلم فقط، لكنها تتعلق وعبر تاريخ البشرية في أن أعظم انجازاتها في بناء الحضارة كانت بالعلم فقط، من الاكتشافات التي انقذت حياة البشر إلى الاختراعات التي ساهمت في تمكينه من الحياة على ظهر البسيطة، أم الحديث عن الفن هو مصدر السعادة فهو مجاف للحقيقة، إن السعادة الحقيقة للإنسان سرها ومصدرها قيمه الروحية، وما يرتبط بها من شعائر دينية، وممارساته الإيجابية نحو الآخر في الحياة، فلا المال سر السعادة، ولا الفن ولا هي رفاهية الحياة، ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى الدراسات المتعلقة بالدول المتقدمة في مؤشر السعادة على مستوى العالم، ومنها الدول الإسكندنافية، ولا شك أن الذي جعل أفلاطون مثلاً يصنف الفن في أسفل مراتب الانتاج الفكري، هو وعي الإغريق العميق بأولوية العلم تحديدًا على الفن، وإلا ما كانوا تركوا للإنسانية ذلك الكم الضخم من المعارف التي نهل منها العالم بما فيهم العرب، وأعادوا انتاجها بصيغ مختلفة أكثر حداثة.
كما إن القول بأن الفن لا يخاطب الحواس إلا في الظاهر هو قول تشوبه مغالطة؛ إذ أن غالبية الفنون التي أتى بها البشر إنما تخاطب الحواس والحواس فقط، وكانت في معظمها تعبيرا عن الترف والمجد. فلن نحدثكم عن فنون الرومان وما فيها من قيم العري، وحتى في عصرنا الحالي فإن غالبية الافلام التي تنتج حول العالم، ذات طابع ترفيهي حسي بحت.
أيها السادة إن ما يحرك الإنسان ويجعل منه أو له روحًا إلى جانب الطعام والشراب إنما قيمه الروحية، إيمانه بدوره في الحياة، الدور الذي يؤديه في تعمير الأرض، وخلافة الله فيها إلى جانب قيم العطاء والبذل والخير لإسعاد من حوله، وليس في الفن فقط.

The Body of Nature and Spirit of Art – Riad Al-Hammadi

هناك من يقلل من قيمة الفنون ويعتبرها ترفاً أو تسلية يمكن الاستغناء عنها, دون أن تتأثر حياة الإنسان سلباً. وقد يستشهدون بحياة الإنسان الأول الذي عاش حياته دون حاجة إلى الفنون!
أعداء الفن, أعداء الحياة
واجه الفن عداءً من قبل رجال الدين والمصلحين الثوريين والمفكرين. وغياب تلك الأصوات عن عالم الفكر والمسيحية اليوم شاهد على انتصار الفن والزمن. ويأتي العداء للفن باتهامه بالهروب لبناء عالم بديل. والحقيقة أن الفنان يرى العالم ناقصاً, ودوره كفنان أن يكمله. الفن هروبٌ لا تخلٍ, وهنا يتجلى المعنى الأصيل للتمرد. يقول نيتشه: “ما من فنان يتحمل الواقع”. ولكي يكون الواقع محتملاً على الفنان أن يُغيّره بفنه. 
ويقول كامو: “الفنان يعيد صياغة العالم… الفن, على الأقل, يعلمنا أن الإنسان لا يتلخص في التاريخ فقط, بل يجد علة وجود في نظام الطبيعة”. والذين يرفضون الفن ينكرون أن يكون له معنى, لكن, كما كتب كامو: “لا وجود لفن اللامعنى”. حتى “فكرة اللامعنى, هي ذات معنى”. والإنسان الذي يريد إصلاح الواقع يبدأ برفض أوجهه السلبية, وهكذا هو الفن “يُنكر الواقع, لكنه لا يتهرب منه“.
الفن لا يقف ضد تطرف العقل والدين فقط, بل ويُوفِّق, دونما جهد ظاهري, “بين الجزئي والكلي الذي كان يحلم به هيغل”. الجمال لا يصنع الثورات, بحسب كامو “ولكن ثمة يوم تحتاج فيه الثورات إلى الجمال”. وقد أتى ذلك اليوم, فحين ساد الجمال والفن في أوروبا ساد الاستقرار والسلام وتحول جهد الثورات السياسية إلى مجال آخر فني وديمقراطي.
الفن والوجود
الذين يقللون من قيمة الفنون يخلطون بين قدرة الإنسان على البقاء حياً بغذاء الجسد: الماء والطعام, وبين شكل الحياة بدون غذاء الروح: الفنون والجمال. غياب الورود والحدائق من مدن هؤلاء هو احتجاج على الطبيعة يقول: نستطيع العيش بدون ورود! لكن الطبيعة بورودها إلى جانب الأشجار المثمرة تدرك قيمة الفن والجمال أكثر من هؤلاء. فلئن كان غياب الفن لا يؤدي إلى الموت, فذلك لأن الفن غذاء لا يخاطب المعدة, وإنما الروح, والإنسان بلا روح لا يساوي شيئاً.
القائلون بإمكانية الاستغناء عن الفنون كأنهم يطلبون إجراء العمليات دون تخدير؛ باعتبار أن الإنسان استطاع تحمُّل آلام العمليات قبل اكتشاف التخدير. نعم, يمكن للفنون أن تكون مخدراً للشعوب كما يمكنها أن تحررهم من كثير من الأوهام, لكن لا يمكن بأي حال الاستغناء عنها؛ فهي مكوِّن رئيسي في حياة الإنسان, مثلما لا يمكن للطبيب والمريض الاستغناء عن المخدر اليوم.
هذا على افتراض غياب الفنون عن حياة الإنسان الأول بشكل مطلق, وهذا ما لا يمكن الجزم فيه, لكننا نستطيع القول بوجود أشكال من وسائل التسلية التي كانت تقوم مقام الفنون. برسومه للحيوانات والأشكال التجريدية على جدران الكهوف, واتخاذه الزينة والمجوهرات والأصباغ, فقد دشّن الإنسان الفنون منذ 30 ألف سنة تقريباً. وتختلف رقصات الشعوب, لكن لا يوجد شعب لا يمارس الرقص. وهذا شاهد على أن الحياة (ضحك ولعب وجد وحب وفنون). 
لا يمكن إطلاق صفة حضارة على أمة بدون فنون. واكتشاف الفنون وتطورها, متأخراً في حياة الإنسان, شاهد على انتقال من البداوة إلى الحضارة والتمدن, وغيابها يدل على العكس. فمن الممكن تقييم تقدُّم الأمم أو تخلفها عبر فنونها؛ فتقدم الفنون أو تأخرها ينعكس إيجاباً أو سلباً على تقدم الدول والعكس. والمتأمل لحال الموسيقى في اليمن خلال ثلاثة عقود سيرى مدى التدهور الذي وصلت إليه. ففي مرحلة سابقة بلغت الموسيقى اليمنية ذروتها, فكان لدينا شعراء ومطربين بالعشرات. ومنذ التسعينيات تقريباً توقف الانتاج الموسيقي, إلا من مقلدين يقتاتون على عهد الموسيقى الذهبي, ويشوهونه في الوقت نفسه.
الفنون تهذب النفس وتسمو بالمشاعر والعاطفة وتجعلنا نتمسك بالحياة, وهي من هذا الباب تبني ولا تهدم. للألوان قدرة شفائية يستعملها الطب النفسي اليوم. حتى الطعام أصبح يُقدم بأشكال فنية. وإذا كان “الله جميل يحب الجمال”, فكيف للحياة أن تقوم بدون سماوات الفن: (نحت وعمارة, ورسم وزخرفة, وموسيقى, ورقص, وشعر وأدب, ومسرح, وسينما)!
للفن قيمة تعادل الكون نجدها في مقولة نيتشه: “الموسيقى ألغت احتمال أن يكون الكون غلطة”. والكون في نظر فيثاغورس أساسه الموسيقى والرياضيات. ويقول آينشتاين: “لو لمْ أكن فيزيائياً، مِن المُحتَمَل أن أصبِحَ مُوسيقيّاً، غالباً ما أفكّر بالمُوسيقى، أحلامُ اليَقَظةِ لَدِي مُوسيقى, وأنظرُ إلى حَياتي بدلالَةِ المُوسيقى، وأجمَلُ أوقاتي هِيَ تلكَ التي أقضيها بالعزفِ على الكَمَان“.
بالفن يتعرف الإنسان ويتميز عن بقية الكائنات, لا بالعقل واللغة. استجابة النبات للموسيقى, كما تثبت التجارب العلمية, لا يشبه انفعال الإنسان بها, لكنه دليل على ما للموسيقى من تأثير, فكيف بمن له روح! كما أن أطباء النفس يستعملون السينما والألوان كعلاج في أوروبا.
الفن والسياسة
للفن لغة غير مباشرة, قادرة على التأثير أكثر من اللغة الخطابية التي تُميِّز السياسة وغيرها من العلوم. وللفن أثر سياسي, من هنا قيل ذات يوم أن أمريكا تحكم العالم بالدولار ووزارة الدفاع ومادونا, في دلالة على توظيف الفن في السياسة. لكن على السياسة أن تكون تابعة للفن لا العكس. وهكذا تستعمل أمريكا الفن, بشكل محدود, وتأتي استفادتها الكبرى منه بطرق غير مباشرة, حيث تكتسب أمريكا قيمتها وقوتها من حرية الفن وازدهاره في مناخ حر. الدولة التي استطاعت أن توظف الفن لصالح قضاياها, دون أن تضر بالفن, هي إسرائيل. وأكثر قضية تُوظف فيها الفن هي المحرقة أو الهولوكوست.
السينما لا تغير الواقع بتصويره فقط, ولكن بأشكال فنية مختلفة. وذلك غير ممكن دون مشروع سياسي, هدفه التغيير الإيجابي. ويمكن مقارنة حال السينما في عهد جمال عبدالناصر والسادات, لنعرف إلى أي مدى يسهم المشروع السياسي في تقدم السينما, وتسهم السينما في تقدم المجتمع. كان التوجيه المعنوي والمراكز الثقافية العربية والعالمية السبعينيات والثمانينيات في اليمن يقومون بهذا الدور, ونتيجة لتناقُص عدد القاعات والأنشطة السينمائية, منذ ذلك الوقت, تصاعد الإرهاب والتطرف.
الفن والدين
الفن لا يتناغم مع الوجود ويعبر عنه فحسب, بل ويوجه الأنظار للاهتمام به. وبهذا يقف مقابلاً لكل أشكال العدميات, وعلى رأسها العدمية الدينية, التي تهمل ما هو موجود وتهتم بما وراءه.
الذين يُحرِّمون الفنون عموماً والموسيقى خاصة لأسباب دينية, في الوقت الذي يعتقدون بتأثير القرآن على من لا يفهمون لغته, لا يُدركون أن هذا التأثير ناتج عن الموسيقى الناتجة عن تنغيم أو ترتيل القرآن. هم لا ينكرون أن للروح غذاء, لكنهم يعتقدون أن الدين والقرآن هما غذاءه الوحيد. والاعتقاد أن الطعام والشراب والجنس هو الغذاء الوحيد جعل الجنة تخلو من الفنون! ومن المفارقات أن يكون “المصور” أحد أسماء الله الحسنى في مجتمعات فقهية تحرم التصوير! 
صرنا نعرف اليوم أن تراجع الشعر العربي في مرحلة صدر الإسلام سببه الرقابة الدينية على الشعراء الذين “يتبعهم الغاوون… إلا الذين آمنوا”. والهدف جعْل الشعر والفن تابعين للدين. مثلما جعلهما أفلاطون تابعين للفلسفة, وجعلتهما الماركسية تابعين للأيديولوجيا. وقبول المسيحية لفنون الرسم والنحت والموسيقى أسهم في فك الارتباط بين سلطة الدين وسلطة الدولة. وتطبيع العلاقة بين الإسلام والموسيقى, والفنون على نحو عام, ستكون خطوة أولى في الطريق إلى العلمانية, في السياق العربي الإسلامي.
الفن والعلم
كثيراً ما يُعرَّف الفن بمقابلته بالعلم. بوصف الفن: “معرفة خالصة ومستقلة عن سائر التطبيقات العلمية”. والفن عموماً: “عملية إبداعية تـنْحو نحو غايات جمالية (استيطيقية)، في حين يستند العلم إلى غائية منطقية”. ربما يكون هذا التمييز, بين مفهوم الفن ومفهوم العلم, هو ما يدفع البعض لأن يُعطي العلم حقه من التقدير ويضع الفن في مرتبة ثانوية. مثلما فعلت البرناسية التي رأت أن الإنسان “حقق سعادته عن طريق الفن لا عن طريق العلم”. على الرغم من أن العلم اليوم مصدر سعادة أيضاً, ولا يخلو من الفن, بعد أن تداخلا.
هذا الفهم الثنائي, أو المثالي, هو الذي جعل أفلاطون يضع الفن في أسفل مراتب الانتاج الفكري, باعتبار الفن “مظهراً لمظهر”, أي أنه لا يعبر عن حقيقة و “لا ينتج حياة, بل يعيد انتاج أحد مظاهر الحياة“.
المقابلة بين العلم والفن وبين الحقيقة والمظهر, لا تعني التعارض القطعي بقدر ما تشير إلى اختلاف في طبيعة كل من المجالين. الفيزياء الحديثة على سبيل المثال تنحو منحىً فلسفياً وفنياً. نجد هذا الأثر الفني في نظريات مثل توازي الأكوان ونظرية الوتر, التي تُشَبِّه حركة الكون باهتزاز الوتر. ونجده في مقولة لـ (هايزنبرج): “عندما يتعلق الأمر بالذرات فإن اللغة تستعمل فقط كما في الشعر, فالشاعر أيضاً لا يهتم بوصف الحقائق قدر اهتمامه بخلق الصور“.
الحواس منافذ الروح, والفن لا يخاطب الحواس إلا في الظاهر. وبلوغ غايته الروحية يحقق دوره في البناء المادي, بناء أشبه بدور الوقود. وإذا اعتبرنا الإنسان آلة, فإن ما يحركه ويجعل منه أو له روحاً هو الفن, لا الطعام والشراب فقط.