إدغار آلان بو.. أدب الرعب

عن الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو كانت جلسة النقاش الشهرية التي أقيمت مساء الثلاثاء 26 فبراير في مكتبة مؤسسة بيسمنت الثقافية ضمن نشاط (غربال)، ناقش فيها الحضور أهم أعمال الكاتب، وأسلوبه وشخصيته المثيرة للجدل، وتأثير شخصيته على قصصه القصيرة وقصائده. كما تطرق النقاش إلى تأثير بيئة الشاعر وظروفه النفسية على أسلوب كتابته وأعماله التي وصفت بالكابوسية.

عرض في بداية الجلسة فيديو تسجيلي قدم نبذة عن حياة الكاتب الذي ولد في بوسطن عام 1809 وتوفي عام  1849، وهو ناقد أدبي، ومؤلف، وشاعر، ومحرر، ويعتبر جزءًا من الحركة الرومانسية الأمريكية، ومؤسس ما يعرف بأدب الرعب. اتسمت حكاياته بالأسرار والغموض والقبورية، ومن أبرز أعماله في الشعر: حلم داخل حلم، الغراب، أنابيل لي. وفي القصة القصيرة: انهيار منزل أشر، القلب الواشي، القط الأسود، بضع كلمات مع مومياء.

 أعماله الأدبية

تحدث شهاب الأهدل عن إدغار آلان بو الذي اكتشفت أعماله بعد ما يقارب قرناً من وفاته، حيث أعاد نشرها الشاعر الفرنسي بودلير، ورأى شهاب أن أعمال إدغار آلان بو أثرت في الأدب الأمريكي لاحقًا.

قرأ شهاب مقدمة قصة القط الأسود وأشار إلى قدرة الكاتب على التشويق. وأشار محمد الكدادي إلى هذه القصة التي تعد أشهر أعمال بو، وهو يرى أن كتابات بو تميزت بالعمق والرعب.

 تحدث عبدالرحمن السباعي عن قصة (القلب الواشي) التي عمل فيها الكاتب على الجانب النفسي كما فعل في غيرها من القصص، كما تحدث عن قصة (قناع الموت الأحمر) وما حملته من دلالات فلسفية، وتطرق إلى قصة (منزل آشر) الذي وصف فيها الكاتب حالة من الكآبة والبعد عن الآخرين قد تحدث لأي شخص. ثم تحدث عن قصة (قصة في القدس) التي لم تترجم إلى العربية ويتم تجاهلها في الكتابات العربية، رغم عدم تحيز بو في هذه القصة. تساءل الحضور عن سبب كتابة بو قصة عن القدس وربما كان أحد أصدقائه يهودياً، ورأى بعضهم أن اليهود قد يكونون دسوا هذه القصة في تراث بو، حيث أشار شهاب إلى هجوم اليهود على شكسبير وتشكيكهم في أعماله التي قد يكون كتبها شخص آخر وفي هذا إشارة إلى دور اليهود في مهاجمة الأدب الذي ينتقدهم وإعلاء قيمة الأدب الذي يميزهم، ولا يستبعد أن يكونوا قد دسوا قصصًا تعلي من قيمتهم في أعمال كتاب يصعب تعقب مصدر أعمالهم مثل بو.

 أسلوبه في الكتابة

رأت سارة أن نزوة الموت ظهرت بقوة في قصص إدغار آلان بو على عكس بقية كتاب عصره الذين ظهرت في كتاباتهم نزوة الحياة.

وذكرت أمة الرحمن القوسي سلاسة أسلوب الكاتب وقدرته على الوصف كما يظهر في قصة منزل آشر الذي وصف فيه تفاصيل المنزل والشخصيات بطريقة بديعة لا يمل منها القارئ. وأشارت إلى قصة القط الأسود التي وضحت كيف يتحول الحب إلى كراهية ثم كراهية شديدة تدفع إلى القتل.

أشار السباعي إلى خوف إدغار من دفنه حيًا وهذا ما ظهر في عدة قصص. وذكر أن بو كان أول من تحدث عن نظرية الانفجار العظيم، ورأى شهاب أن بو تناول هذه الفكرة من جانب أدبي لا علمي، ورأت سارة أن هذه الإشارة تدل على عبقرية وخيال واسع لدى الكاتب.

رأت أمة الرحمن أن ما ميز أدب إدغار المرعب أنه لم يدخل الأرواح الشريرة في أعماله كالكتاب الآخرين بل نسب الشر إلى الإنسان نفسه، ورأى معتز أن ذلك قد يكون بسبب عقليته العملية، ورأى أحد الحضور أن السبب قد يكون بسبب خلفيته العقيدية التي لا تؤمن بالأرواح الشريرة. وذكر شهاب الأهدل أن بو كان يرى أن الجريمة مصدرها الإنسان، وقد يكون الكاتب رأى الشر في نفسه فجسد الأفكار التي تراوده في هذه القصص كما ظهر في القط الأسود والقلب الواشي وغيرها.

أعجبت أمة الرحمن باكتفاء بو بكتابة الشعر والقصص القصيرة وعدم مخاطرته بكتابة رواية بل اكتفى بما يتقنه لمعرفته بمكامن قوته، ورأت سارة أن كتابته القصص القصيرة قد تدل على بعض صفاته الشخصية كعدم الالتزام والملل السريع. ورأى شهاب أن أعمال بو لم تصل إلى نفس شهرة أعمال دستوفسكي ربما لأنه لم يقتحم مجال كتابة الروايات، وتساءل إن كان بو سيكتب رواية إن عاش طويلاً؟

أجاب السباعي أن بو ما كان ليكتب رواية فقد ذكر في أحد مقالاته نصائح للكتاب نصحهم أن يجعلوا كتاباتهم مركزة ومختصرة.

أشار شهاب إلى تنازع المدارس المختلفة لبو، فالوجوديون يرونه وجودياً والعدميون يزعمون أنه عدمي، لكن شهاب يرى أنه أقرب إلى الكابوسية كما كان كافكا الذي تشترك سيرة حياته مع بو فقد عاشا حياة صعبة وماتا في سن مبكرة.

تطرق معتز البعداني إلى قصائد بو كقصيدة الغراب التي رأى أن ترجمتها من الإنجليزية لغتها الأصلية يفقدها بعض سحرها وأيده في ذلك السباعي، ورأى الأستاذ عبدالواسع الأدومي أن الترجمة تؤثر في النص كما تختلف الترجمات نفسها من مترجم إلى آخر. ورأت أمة الرحمن أن للترجمة محددات، فالمترجم الجيد هو من يحرص على إيصال الشعور قبل الكلمات.

 

نفسيته وشخصيته

سألت شيماء ثابت عن سبب كل ذلك الحزن في أعمال بو؟ فقد كان شاعراً قبل أن تحدث تلك الأحداث الحزينة في حياته كفقدانه زوجته.

رأت سارة أن هناك فكرة سائدة عن الشخصية العبقرية التي يجب أن تكون كئيبة، وهذا قد لا يكون دقيقًا فالكآبة تظهر بمساعدة عوامل كثيرة، وهي ترى أن بو كان كئيباً لكنه قدم الكآبة بأسلوب لذيذ.

رأت سارة أن لدى إدغار نزوة التحرر من النظام ويظهر في أعماله نقد خفي لهذا النظام، كما تظهر لديه نزوة الموت والمعاناة الأبدية.

تحدث شهاب عن علاقة الكآبة بالحب، وقد تكون قصة حب إدغار لزوجته التي حزن عليها حزناً شديداً بعد موتها سبب هذه الكآبة، وذكر السباعي أن زوجة بو كانت حب حياته رغم معرفته نساء أخريات.

ذكر محمد العطاس أن الكآبة مرض عضوي وليس حالة شعورية فقط. أكد الأستاذ عبدالواسع ذلك وذكر أن الكآبة لا تميز بين المبدع وغير المبدع فقد يمتلك الشخص الصفات الجيدة ويعيش حياة مريحة ويصاب رغم ذلك بالكآبة الشديدة.

 

علاقة الكاتب مع بيئته

رأى شهاب أن (بو) ظهر متمرداً بسبب خروجه عن الأدب الكلاسيكي الشائع في تلك الفترة، فلم تكن لقصص بو نهايات سعيدة، كما تناول فيها مواضيع صادمة.

رأى معتز البعداني أن قصص بو لم تقتصر على الرعب النفسي فقط بل ظهر فيها العنف في وصفه لحالات القتل، وهذا قد يعكس شخصية غير سوية نفسياً للكاتب ربما لأنه عاش في القرن التاسع عشر بطريقة تفكير مختلفة مما جعل من الصعب عليه التكيف مع عالمه.

علق محمد الكدادي أن عدم تكيف الكاتب مع واقعه قد يكون السبب في تجاهل موهبته في حياته وظهورها بعد مائة عام حين تغيرت طبيعة المجتمع.

رأى شهاب الأهدل أن بيئة الكاتب أيضًا لم تتقبله فحين كتب أحد الصحفيين عنه بعد موته ذكر أنه كان مدمن كحول ومخدرات ومتسكع، في مجتمع لم يشعر أنه ينتمي إليه، ولم يقدر أدبه الذي كان ثورياً.

ورأت سارة أن الوسط الذي يحيط ببو عامله بسطحية نظرا لإدمانه الكحول.

ذكر شهاب أن الكاتب وجد مقتولاً في الطريق فدفن في قبر كاد يضيع، إلى أن اهتدى إليه بعد سنوات بعض الأدباء الذين وجدوا أعماله وبحثوا عن قبره فميزوه بشاهد يدل عليه، ولكن الغريب في قصته ظهر في أشخاص غامضين يضعون على قبره الورود في موعد محدد كل عام ويتوارثون هذه المهمة جيلاً بعد جيل وما زال سرهم مجهولاً.

أشار أحد الحضور إلى شخصية بو التي تخرج عن المألوف وتكسر البروتوكولات وتتميز بالعبقرية، ورأت سارة أن هناك مبدعين يتماشون مع النظام، فليس المبدع متمردًا بالضرورة.

قارن شهاب بين كافكا و(بو) حيث برزت أعمال كافكا بعد الحرب العالمية حين انتشرت مدارس فلسفية كالعدمية والوجودية وانتشرت موجة اليأس، وربما لو عاش بو في هذا العصر لظهر بشكل أكبر.

رأت سارة أن الإنسان نتاج تفاعلي مع البيئة وهو مميز دائماً عن غيره من الكائنات، لكن العبقرية الحقة هي التي تظهر في أي ظروف، والمبدع لا يحاول إظهار نفسه ونيل الشهرة وقد يموت على الطريق دون أن يعرفه أحد، فهو لا يعترف بالمظاهر الاجتماعية. ذكر شهاب أن هذا قد يشير إلى موت الكثير من العباقرة دون أن يعرفهم أحد.

رأى محمد العطاس أن المعاناة تظهر بشكل أوضح كلما كانت معاناة الكاتب أكبر، ورأى السباعي أن طلب لقمة العيش قد يكون أكبر هموم الكاتب بسبب ظروفه المعيشية الصعبة، لهذا لا يهتم بالشهرة بقدر ما يهتم بالبقاء على قيد الحياة.

رأت سارة أن المعاناة تطلق مواهب الكاتب وهي تخرج بعد أن ييأس الإنسان من لفت الأنظار ويفقد طعم الشهرة، وقد يشعر العبقري أحياناً أنه أقل من غيره، وهي ترى أن تقدير الكاتب في حياته قد يفقد كتاباته جمالها، فتجاهله يجعل كتاباته تزخر بالعناء والألم والانتقام.

أشار السباعي إلى أن الكثير من الكتاب الكبار لا تتم مكافأتهم إلا بعد وفاتهم بوقت طويل.

صور الكاتب

رأت سارة العفيف أن شخصية (بو) ظهرت في ملامحه التي تحمل كاريزما ومأساة وعبقرية، وأشار شهاب إلى صوره التي تثير الحيرة في ذلك الزمن الذي شهد بداية ظهور التصوير الفوتوغرافي في أميركا الذي لم ينتشر على نطاق واسع إلا في 1850.

لفت مظهر بو وطريقه لبسه اهتمام محمد العطاس الذي رآه إشارة إلى حالة مغايرة لما شاع عن الكاتب، فلم يظهر عليه الفقر والبؤس بل ظهر أنيقًا يرتدي ملابس عصرية. أكد ذلك شهاب وذكر أن الأغنياء جدًا في ذلك الوقت كانوا يحصلون على صور شخصية بسبب قلة الكاميرات، وهذا يجعل صوره لغزاً آخر.

شككت سارة فيما يصل من سيرة حياة الكتاب القدامى، فقد يكون ما وصلنا عن بو غير دقيق، وقد تكون هناك تفاصيل أضيفت لإضفاء لمسة مأساوية عليه. أكد شهاب ذلك فما وصلنا عنه تم جمعه بعد مائة عام من وفاته.

ـــــــــــــــــــــــ

في النهاية ذكر شهاب أن حياة إدغار آلان بو ما زالت لغزاً إلى الآن، وما زالت أعماله تدرس وتناقش، وقد وجدت منذ وقت قريب مخطوطات لكتابات قد تكون له.

رأى معتز البعداني أن نجاح الكاتب يكمن في قدرته على إشعارك بالكآبة أو السعادة، وهذا ما تفعله أعمال بو.

ووصف عبدالرحمن السباعي (بو) بأنه الكاتب الذي كتب قليلاً وأثر كثيرًا، وأوصل رسائله بشكل مركز جدا

 

{gallery}eventgallery/Lib16{/gallery}

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *