عبدالرحمن منيف.. لعنة النفط

أقيمت مساء الثلاثاء 29 يناير 2019 جلسة نقاش تناولت الكاتب عبدالرحمن منيف، ضمن (مقيل بيسمنت) الذي تنظمه مكتبة بيسمنت الثقافية، حيث شارك الحضور في عرض آرائهم حول الكاتب وأعماله الأدبية، وأهم القضايا التي تناولها في رواياته.

قدم في بداية الجلسة شهاب الأهدل نبذة عن عبدالرحمن منيف الذي ولد في الأردن عام 1933 من أب نجدي وأم عراقية، وتوفي في دمشق عام 2004، وهو خبير اقتصادي وأديب وناقد حداثي سعودي، له العديد من الروايات والأعمال الأدبية. استعرض بعدها فيديو مسجل لمقابلة قديمة مع منيف أظهرت بعض جوانب حياته.

حياته:

عاش عبدالرحمن منيف السنوات الأولى من طفولته في عمّان، انتقل بعد حصوله على الشهادة الثانوية إلى بغداد ثم مصر لدراسة الحقوق، غادر بعدها إلى بلغراد ليحصل على الدكتوراه في اقتصاديات النفط، تنقل بين دمشق وبيروت وفرنسا، ثم عاد إلى سوريا ليكرس حياته لكتابة الروايات.

عرف بمواقفه السياسية المعارضة، وتناول في رواياته أدب السجون، والنقلة التي أحدثها اكتشاف النفط في دول الخليج كما ظهر في خماسيته الروائية (مدن الملح).

من أبرز أعماله:

  • شرق المتوسط – 1975
  • الأشجار واغتيال مرزوق – 1973
  • قصة حب مجوسية – 1974
  • النهايات- 1977
  • عالم بلا خرائط بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا – 1982
  • مدن الملح خماسية روائية 1984-1989)التيه-الأخدود- تقاسيم الليل والنهار- المنبت- بادية الظلمات).

حياته:

بدأ النقاش حول الكاتب، حيث تساءل الأستاذ عبدالواسع الأدومي إن كان تنوع البيئات التي شكلت الكاتب له علاقة بعبقريته. أشار شهاب إلى تقارب المناطق التي ينتمي إليها الكاتب بين الأردن والعراق ونجد، ودمشق التي أوصى أن يدفن فيها. وأضاف أن الكاتب درس في أكثر من بلد، وكتب الكثير من الكتب في الرواية والسياسة والاقتصاد. علق نبيل قاسم بأن الكاتب أحياناً يتعب من السياسة فيتجه إلى الكتابة، وأشار عزيز مرفق أن الكتابة قد تكون تصفية حسابات أحياناً.

تحدثت شيماء ثابت عن منيف الذي ربما كتب عما واجه بعض الدول العربية بعد ظهور النفط. وأشار عزيز أنه درس الاقتصاد النفطي ما أدخله عالم النفط الأسود الذي لم يتعايش معه فكتب خماسية (مدن الملح) التي تحدثت عن المدن التي تظهر فجأة وتلك التي تختفي فجأة عند ظهور النفط الذي يدمر مناطق كاملة أحياناً. وذكر عزيز أن الكاتب رمز إلى مدن حقيقية بأسماء مستعارة، وتناول في هذه الروايات انقطاع ارتباط الناس بماضيهم في هذه الطفرات، وتغير شخصياتهم وملامحهم أيضاً. وأشار إلى أن كتاباته قد تكون احتجاجاً على إساءة استخدام الثروة النفطية التي كان يمكن أن تكون فرصة جيدة يمكن استغلالها بشكل أفضل.

أعماله:

استعرض شهاب الأهدل بعض روايات الكاتب وتاريخ صدورها، وأشار عزيز إلى رواية (عالم بلا خرائط) التي يعتقد أنها أضعف أعماله، وقد كانت عملاً مشتركاً بين منيف وجبرا إبراهيم جبرا، رأى عزيز أنه كان عملاً كلاسيكياً لم يدهشه كبقية أعمال منيف. علق نبيل قاسم على هذا مؤكداً أن الكاتب يجرب أساليب مختلفة تنجح أو تفشل وهذا لا يعيبه.

تحدثت سارة العفيف عن رواية (شرق المتوسط) التي تعد أحد أهم روايات أدب السجون، تتحدث عن سجين سياسي، وتتطرق إلى الملامح السياسية في الدول العربية، وما يحدث للمعارضين فيها، وأشارت الرواية كما ترى سارة إلى الكفاح الميؤوس منه، حين يستسلم المسجون في النهاية لسجانه، ويخرج من السجن يائساً ومحبطاً مما يراه حوله من الخضوع للظالم، وانطفاء الرغبة في المقاومة. كما عرضت الرواية صورة قوية غير تقليدية لأم السجين.
ذكرت أمة الرحمن رواية (قصة حب مجوسية) لمنيف، التي أعجبتها فكرتها الرمزية في الإشارة إلى قصة حب رغم إكثار الكاتب من التشبيهات اللغوية فيها كما يفعل في معظم أعماله.

استعرض نبيل قاسم كتابات نقدية كتبت عن منيف، ذكر في إحداها مشهداً لمعرض كتاب أقيم في السعودية في حياة الكاتب، كان الرف المخصص لكتبه فارغاً بسبب منع نشر كتبه، فقد كان منيف كاتباً منبوذاً عاش معظم حياته في المنفى. وصفت كتاباته الهزيمة التي حدثت في العالم العربي والجذور التاريخية لهذه الهزيمة. وذكر أن منيف كان يكره السلطة، وقد أشار إلى الإنسان المفرد الحر الذي ينبذ ويقمع في كل المجتمعات. كما آمن بقوة الكلمة ما جعله يكتب ليوصل رسالته.

أسلوبه:

كانت لغة منيف لغة متوسطة كما يقول نبيل، فلم تكن فصحى منفرة بل كانت قريبة من الإنسان العادي، كما ذكر منيف إلى أن أعماله هي قراءته الخاصة للتاريخ. وتحدث عن لعنة النفط الذي يتحول إلى علاقات سياسية واجتماعية، ويظهر فيه المثقف النفطي والسياسي النفطي، ورجل الدين النفطي، وتتكون طبقة جديدة من الناس.

رأت أمة الرحمن الخميسي أن كتابات منيف فيها مبالغة كتصويره التعذيب في السجون. دافعت سارة عن الكاتب الذي رأت أنه كان ينقل التعامل غير الإنساني الذي يتعرض له المعارضون حقيقة في سجون البلدان التي كتب عنها. أجابت أمة الرحمن بأن الكاتب السعودي ابن بيئته وقد تأثر في وصفه هذا بما يحدث حوله. وذكر نبيل أن تجربة مدن الملح يمكن تطبيقها على الوطن العربي كاملاً.

تحدث شهاب الأهدل عن شخصيات روايات منيف البسيطة العادية على خلاف الروايات العربية التي تجمع فئات متعددة بشكل غير مألوف. وأشار نبيل إلى أن الكتاب الذين يبالغون في دس شخصيات كثيرة في أعمالهم يسعون إلى تسويق رواياتهم أكثر من جودة المحتوى. أشار شهاب في هذا السياق إلى بعض الكتاب اليمنيين الذين يكتبون للقارئ الأجنبي كما يظهر في كتاباتهم التي تصف أشياء لا تستدعي الوصف ما يجعلها تغرق في تفاصيل محلية تفقدها البساطة. وذكر أن أفضل رواية يمنية قرأها كانت رواية (الرهينة) التي ابتعدت عن هذه المبالغات الوصفية، وترجمت إلى أكثر من لغة. وأكد نبيل قاسم هذه الفكرة بإشارته إلى رواية إيطالية عنوانها (جبل الرب) كانت بالغة البساطة والروعة رغم انتماء كاتبها أري دي لوكا إلى التيار اليساري الشيوعي, فهو لم يظهر فيها أيديولوجيته.

قضيته:

ذكر شهاب أن ما لفت نظره في هذه الأعمال هو تصوير الأجانب كالشياطين، رغم أنهم ظهروا بصفة مدنية. أشارت أمة الرحمن أن السبب ربما يكون تأثيرهم على العادات والتقاليد العربية. وذكر نبيل قاسم أن المخابرات العالمية تعمل بشكل خفي في مناطق ظهور النفط بسبب صراع الشركات، لذلك تعمد إلى قمع وتبديل الحكام، فالأجانب كما يقول ليسوا ملائكة، فهم يبحثون عن مصلحتهم دائماً. أكد ذلك عزيز مشيراً إلى ما فعله الأجانب في اليمن في الماضي حين استخدموا آبار النفط لعقد صفقات غير شرعية تحقق مآربهم.

تحدث عزيز عن فكرة مدن الملح التي تطرح سؤالاً: إن اختفى النفط ماذا يمكن أن يكون مصيرهم؟ ورأى عزيز أن مصير هذه المدن المستحدثة التي ظهرت بظهور النفط هو سقوطها كما تسقط بيوت مصنوعة من الملح. فإنتاج النفط يجعل هذه المدن تعتمد عليه كمنتج وحيد، وتتوقف الصناعات والمنتجات الأخرى.

أشارت أمة الرحمن إلى أن منيف عرض في رواياته الواقع المؤلم في العالم العربي لكنه لم يذكر حلولاً كما يجدر به كسياسي، وكانت رواياته مليئة بالبؤس. ردت سارة أنه كان واقعياً ولم يكن بائساً، وأجاب شهاب ونبيل بأن ليس على الكاتب أن يذكر حلولاً، وأشار شهاب أن الكاتب رغم ذلك قد يكون ألمح إلى حل اقتصادي في رواياته بعدم الاعتماد على النفط.

رأت أمة الرحمن أنها لا تعتبر منيف كاتباً من الدرجة الأولى، فهو يكثر من التشبيهات، كما أن معظم رواياته تتناول قضية واحدة هي قضية النفط. أجابت سارة أن الكاتب حزين بسبب اعتماد الدول العربية على النفط وابتعادها عن الإنسانية والأمور جوهرية وهذا ما ظهر في كتاباته، وهو في نظرها كاتب عظيم وصف الواقع العربي أفضل من أي كاتب آخر. ردت أمة الرحمن أنه قد يكون كاتباً سياسياً متميزاً لكنه ليس كاتباً من الدرجة الأولى.

في نهاية الجلسة شكر نبيل قاسم مدير الجلسة على اختيار الكاتب عبدالرحمن منيف الذي أثار فيه النقاش الرغبة لقراءة المزيد من أعماله.

 

{gallery}eventgallery/Lib15{/gallery}

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *