مقدمة
قضية المرأة قضية قديمة ربما قدم وجود المرأة على سطح الكرة الأرضية، فمنذ زمنٍ طويل والمرأة تعاني كثيراً من الظلم وطمس حقوقها، وفي بعض الحالات كانت المرأة ترضى بكل ذلك فتحيا تعيسة وتموت تعيسة، وفي حالاتٍ أخرى كانت تدافع عن حقوقها، ويساندها المجتمع أو لا يساندها! وقد تعددت الأشكال التي قامت بها المرأة بالدفاع عن نفسها، وتعددت القضايا التي طرحتها، منها ما كان في مصلحتها ومصلحة المجتمع، ومنها ما كان العكس، فللأسف قد انحازت المرأة في بعض الحالات عن فطرتها، وعن مصلحة المجتمع ومصلحتها أيضاً، وسلكت طرقاً ظنّت أنّها تصب في مصلحتها وحريتها لكن ما حدث هو العكس، ومن ضمن الأشكال التي قامت بها المرأة للدفاع عن نفسها هو حركة النسوية، والتي نشأت بسبب ما تعرّضت له المرأة الغربية من ظلم وإهانة، وكان منشأها لا ديني. بدأت في الفكر الغربي في القرن التاسع عشر، ثمّ اكتسحت العالم.
وفي المجتمع اليمني أيضاً كباقي المجتمعات لازالت المرأة تعاني من الظلم، ولا تحصل على حقوقها كاملة، وتعاني أيضاً من الكثير من المساوئ مثل الفقر والجهل وانعدام الأمان، وتعددت أيضاً أساليب دفاع المرأة عن حقوقها، ويرى البعض أننا نحتاج إلى وجود وتمكين الحركة النسوية في اليمن، لكن من ينظر إلى الحركة النسوية بأشكالها وتوجهاتها سيعلم أنّها ليست بجيّدة للمجتمعات الغربية والاسلامية بشكل عام، وللمجتمع اليمني بشكل خاص، وإن شجعنا على تمكينها فستأتي بتأثيرات سلبية على المجتمع بأكمله بما في ذلك المرأة. ولكي نعلم لماذا هي ليست جيّدة للمجتمعات بشكل عام وغير مناسبة للمجتمع اليمني بشكل خاص سنحتاج أولاً إلى معرفة النسوية والنظر إلى منشأها ومسيرتها والنظر إلى تجارب الآخرين الذي بدأوها، بعد ذلك سنحدد الأسباب التي تدفعنا إلى رفض تبنيها من خلال مسيرتها.
تعريف النسوية
ليس من السهل وضع تعريف محدد للنسوية، فالنسوية تمثلها الكثير من الحركات القديمة والحديثة، وما كانت عليه النسوية عند منشأها يختلف تماماً عن شكلها الحالي، كما أنّ الحركات الحديثة أيضاً متنوّعة ولها أهداف وتوجهات مختلفة، فهناك النسوية الراديكالية، والنسوية الليبرالية، والنسوية السياسية، والنسوية الاشتراكية والماركسية، وتوجد أيضاً النسوية الاسلامية، وكل واحدة تختلف عن الأخرى..
وبحسب تعريف النسوية على موقع ويكبيديا فإن النسوية هي: (مجموعة مختلفة من النظريات الاجتماعية، والحركات السياسية، والفلسفات الأخلاقية، التي تحركها دوافع متعلقة بقضايا المرأة)
لكنّ يبدو أن هناك نقطة مهمة قد افتقدها هذا التعريف، فعند البحث عن تعريف النسوية بحسب تعريف حركاتها البارزة: النسوية الراديكالية، والنسوية الليبرالية، والنسوية السياسية فقد شملت التعاريف على نقطة مهمة وهي أن النسوية تدعو إلى المساواة بين الجنسين فيما يعرف بال(gender equality)، وحتى النسوية الإسلامية والنسوية اليمنية فهي تدعو أيضاً إلى المساواة بين.
وقد مرّت النسوية بثلاث موجات رئيسية: ركزت الموجة النسوية الأولى في خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على الحصول على المساواة القانونية، تحديدًا الحصول على حق التصويت، واهتمت الموجة النسوية الثانية في خلال ستينات وثمانينيات القرن الماضي بالمساواة الاجتماعية والمعيار الجندري ودور النساء في المجتمع، بينما اعتبرت الموجة النسوية الثالثة، في خلال تسعينات القرن الماضي وعقد 2000، تكملة لقضايا الموجة النسوية الثانية ورد فعل لإخفاقاتها.
وأود هُنا أن أشرح بعد النقاط التوضيحية حول النسويّة، قبل أن أغوص في تفاصيلها، وهي كالتالي:
أولاً: عندما يقول شخص بأنّه ليس نسوي، وأنّه ضد النسوية فذلك لا يعني بالطبع أنّه ضد حقوق المرأة، والمطالبة بها، فالنسويّة ليست سوى شكل من أشكال المطالبة بحقوق المرأة، وليس كل شخص يرفض ظلم المرأة ويطالب بحقوقها هو شخص نسوي كما يفسّرها البعض، خاصة النسويون.
ثانياً: قد نفسّر النسويّة بشكل لفظي، وهي بحسب قاموس المعاني: “اسم مؤنَّث منسوب إلى نُسْوَة/ نِسْوَة” وهذا بالطبع ما لا أقصده بالنسوية في هذا المقال، فالنسوية هي حركة وفلسفة ونظرية، لها تاريخ ولها سمات تجمع بينها، ولها مقاصد، ولا تقتصر النسوية التي أتحدّث عنها هنا بالمعنى اللفظي فقط، أي كل ما هو مؤنث ومنسوب إلى النساء.
سبب نشأة الحركة النسوية
سبب نشأة الحركة النسوية في الغرب هو أن المرأة قد حظيت في المجتمع الغربي بمكانة متدنيّة جداً، حيث صنّفت على أنّها أداة بيد الأب قبل أن تتحول بعد زواجها إلى أداة بيد زوجها. ومورست ضدها العديد من أشكال العنف، واقتصر دورها الأساسي على الإنجاب ورعاية الأطفال، وكانت أيضاً محرومة من حقها في الانتخاب والترشّح، وقد وصل تعذيب وإهانة المرأة لدرجة أنّهم كانوا يستخدمون معها ما يسمّى بلجام التوبيخ، وقد كانت هذه الأداة عبارة عن كمّامة أو قفص حديدي صمم ليطابق شكله شكل رأس الإنسان، ويحتوي لجام التوبيخ على قطعة مصنوعة من الحديد عند مستوى الفم تستقر على لسان المذنب لتضغط عليه وتمنعه من الكلام، وما إن توضع أداة التعذيب هذه على رأس المرأة ويغلق القفل الموجود بالخلف حتى تبدأ معاناتها مع آلام بالرأس والفك وسيلان كثيف باللعاب، وتبقى على هذه الحالة لساعات أو بضعة أيام كعقاب لها، واستخدمت تلك الأداة لإهانة النساء اللاتي يتحدّثن بما لا يعجب الرجل أو المجتمع أو يزعجهم، فلا تستطيع المرأة الحديث وقطعة الحديد داخل فمها.
وبسبب كل أشكال الظلم والإهانة تلك وغيرها تمّ تشكيل الحركة النسوية، وأدّت تلك الحركة عند منشأها إلى تحسين وضع المرأة في المجتمع الغربي، ففي عام ١٩١٩ وقفت آلاف النساء أمام البيت الأبيض وطالبن بالسماح لهنّ بحق التصويت، وفي الفترة الانتخابية التالية أصبح من المسموح لهنّ بذلك. لكنّ أهداف الحركة النسوية وتوجهاتها وتأثيرها على المجتمع في الوقت الراهن مختلف تماماً عمّا كانت عليه عند منشأها، والأسباب التي أدّت إلى نشأتها قديماً، والقضايا التي تبنتها، تختلف عن الأسباب والقضايا التي تتبناها في الوقت الراهن.
كما أنّ مسيرة الحركة النسوية حوت في طيّاتها على الكثير من الممارسات والمطالبات المشينة، والمؤذية للمجتمع والمرأة.
النسوية في اليمن
عندما بحثت عن نشأت الحركة النسوية في اليمن ومسيرتها لم أجد لها حضور قوي، كانت هناك بعض الحركات التي تمّ تصنيفها بأنّها نسوية قامت في الجنوب والشمال، مثل: (جمعية المرأة العدنية) والتي ظهرت في فترة ما ما بين عامي ١٩٥٠ -١٩٥٢، و(جمعية المرأة العربية) في عدن أيضاً عام ١٩٥٦ والتي قامت فيها المرأة بخلع الشياذر (الحجاب) وحرقه، كرمز لخروجها للتعليم والعمل، و(جمعية المرأة في معهد التمريض في صنعاء) والتي دعت إلى التوعية بأهمية التعليم والخروج من بوتقة الفقر والتخلف، هذه الجمعيات اعتبرها المؤلف أنور قاسم الخضري جمعيات نسوية في كتابه (الحركة النسوية في اليمن) وحقيقةً لا أعلم إن كانت بالفعل تُعتبر حركات نسوية أم لا، فلم يذكر الأساس الذي اعتمده ليحكم عليها بأنّها نسوية، لكن برز بشكل واضح أنّ (جمعية المرأة العربية) لا تختلف عن باقي الجمعيات النسويّة في العالم، فقصة حرق الحجاب هذه تتشابه مع ما قامت به النسويات في أمريكا في عام ١٩٦٨ برمي أشيائهن التي تمّ ربطها بالمرأة في سلّة القمامة، ومن تلك الأشياء المكانس والصدريات فيما أُطلق عليه (حاوية قمامة الحريّة) وهي فكرة رمزية إلى التخلص من كل ما يقمع المرأة، واشتهرت تلك المظاهرة بأنّه قد تم حرق الصدريات وليس فقط إلقاءها في القمامة، وصحيح أنّ ما قامت به المحتجات النسويات في أمريكا كان بعد ما قامت به جمعية المرأة العربية في عدن بحوالي ١٢ سنة، لكن رُبّما التشابه في ذلك، يشير إلى التشابه في التوجّه والأهداف، لذلك نستطيع أن نرجّح أن تلك الحركة (جمعية المرأة العربية) كانت نسويّة.
ما ظهر في اليمن بشكل صريح كحركة نسوية هو (مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية) في جامعة صنعاء، والذي تم تأسيسه في عام ١٩٩٣ تحت عنوان: (وحدة البحوث الاجتماعية ودراسات المرأة)، ثمّ تحوّل في عام ١٩٩٦ إلى (مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية) ذلك المركز يشير صراحةً في عنوانه وأنشطته إلى النسوية، وقد أقام ندوة دولية عام 1999 حول المساواة بين الجنسين.
وفي الوقت الحالي توجد بعض المؤسسات النسوية، والتي تُعلن بشكل صريح أنّها نسوية، مثل: التوافق النسوي اليمني من أجل الأمن والسلام، القمة النسوية، أصوات السلام النسوي، تحالف شركاء السلام، جنوبيات من أجل السلام، صانعات السلام، شبكة نساء من أجل اليمن، المجلس الاستشاري الشبابي، منصة شباب وعي. وتنضم كل هذه المؤسسات تحت سقف واحد فيما يعرف ب(مجموعة التسعة)
اذاً نحنُ ضد وجود الحركة النسوية في اليمن، ونرفض رفضاً قطعياً هذه الحركة ونرى أنّ وجودها يضر المجتمع أكثر مما ينفعه. وسأبيّن بالحجة والأدلة والبراهين سبب رفض هذه الحركة، وسأظهر من خلال ثلاثة محاور سلبيات وأضرار الحركة النسوية، والمحاور هي: المحور الاجتماعي، المحور الثقافي والديني..
المحور الثقافي والديني
نحن نحتاج إلى الحفاظ على هوية وثقافة المجتمع، وأن نكون مجتمعاً متميزاً بأفكاره ومبادئه وحركاته وتوجهاته ولا نحتاج الى التبعية للغرب والمشي على وتيرتهم، خصوصاً أنّ ثقافة الغرب في كثير من جوانبها تتنافى مع ثقافتنا وهويتنا وموروثنا الفكري، وعندما نشأت النسوية في الغرب والى الآن فهي تطالب بأشياء وتسعى لتغيير وضع مختلفاً تماماً من جذوره الى فروعه عن وضعنا، وحركة كهذه هي بالأساس سترفضنا كما حدث عندما قامت مسيرة مارس النسوية في عام ٢٠١٧ برفض مشاركة النسويات المؤيدات لحق الحياة في المسيرة، وأعني هُنا بالنسويات المؤيدات لحقّ الحياة هنّ النسويات اللاتي يرفضن حرية الاجهاض، لماذا؟ لأنّهم يرون أنّ برفضهنّ حق الإجهاض لا يمثلن النسوية فهنّ يخالفن أهدافها الكبرى! وهم يؤمنون بمبدأ: «حق المرأة في الاجهاض يعادل حقها في الوجود»، وقد ذُكر في الصفحة الثانية لقائمة مبادئ المسيرة (Guiding Vision and Definition of Principles) المطالبة بالقدرة على الوصول إلى إجهاض آمن وقانوني وميسور (open access to safe, legal, affordable abortion) فماذا عن مبادئنا نحن؟ التي يرفضها الغرب بمجملها، والحركة النسوية بالأساس حركة لا دينية، ترى أن الدين تمييز ضد المرأة.. فاذا رفضت الحركة النسوية المنتمون إليها لأنّهم يرفضون حرية الاجهاض، فهي بالتأكيد سترفضنا لأننا وفقاً لثقافتنا وديننا نرفض وبشكل قطعي حريّة الإجهاض، ونرفض أشياء أخرى مثل حق الإباحية، والعلاقات المحرّمة خارج نطاق الزواج، ونرفض رفضاً قاطعاً الشذوذ، بينما الغرب يراها حقوقاً مشروعة يدافع عنها، وتسنّ القوانين لتشريعها… نحنُ هُنا نبذل جهوداً لمحاولة إقناع المجتمع بأشياء قد أباحها الشرع، إلى أنّ المجتمع قد حرّمها بنفسه، فكيف ستأتي حركات تحرّم ما هو بالأساس محرّم شرعاً وعرفاً ومنطقاً؟ ونسبة المسلمين في اليمن ٩٩٪ وفقاً لمقال نشره مركز دراسات الأمن التابع للمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا عام ٢٠١٥، كيف سنقنع هذه النسبة الكبيرة بأنّ حق المرأة وحق الرجل في الإرث متساوي إذا كان الإسلام لا يدعو إلى ذلك؟ وهو ما تدعو إليه النسوية.. نرفض كل هذه الأشياء لأنّها تتعارض مع مرجعيتنا الدينية وتتعارض مع هويتنا وثقافتنا، وما يعتبرونه همُ حرية شخصية، نحن نعتبره جريمة أخلاقية يرفضها المجتمع رفضاً قاطعاً، وإن بدت الحركة النسوية بشكلها الظاهر تتقبل الأفكار المختلفة إلا أنّ رفض مسيرة مارس السنوية للنسويات الرافضات لحرية الإجهاض قد أعطانا دليل واضح على أنّ الحركة النسوية عملياً ترفض من يرفض أفكارها وترميه خارجها، فإن كنّا نعلم مسبقاً بأننا منفيون منها فلماذا اذاً ندس أنوفنا داخل حركة ترفضنا؟
قد يقول البعض بأنّ الإسلام فعلاً يظلم المرأة، وأنّ الإسلام تمييز ضد المرأة، فسأقول: أولاً أنا لستُ بصدد الدفاع عن ديني هُنا ولا كم أنا واثقة بأنّ أحكام الشريعة لا تظلم المرأة، ولكن ما أعلمه وما أنا متأكدة منه أنّه في مجتمعنا قضية الدين هذه قضية منتهى منها، وبما أنّ عدد المسلمين في اليمن يمثل ٩٩٪ اذاً أي حركة تدعو إلى رفض الدين فهي حركة لا تمثل الشعب بمن فيهن النساء، وبالتالي فهي لن تأتي بحلول حقيقية للمرأة، لأنّها ستعبر عن فئة لا تزيد نسبتها عن ١٪ من نساء اليمن.
قد يقول البعض بأنّه لا مانع من رفضها لنا، فنحن سنكون بمعزلٍ عنها، وسنحمل الاسم ثمّ نقوم بأعمال نرضها نحن، ونتبع توجهات تناسبنا ونترك ما للغرب للغرب، وجوابي هو: لماذا اذاً نحمل الاسم، هل لأنّه موضة، أي “ترند”؟ هل لأنّ الاسم يدل على أننا نحمي المرأة وأننا مدافعون عن حقوق المرأة؟ أم أنه أصبح من الضروري لنا أن نتبع الغرب لنرى أننا متحضّرون مثلهم؟ وأننا لا نستطيع القيام بأي شيء إلا إذا بدأه الغرب قبلنا؟
إننا عندما نقوم بانتحال مسميات لا تمثلنا لا ظاهريا ولا باطنياً نقوم بذلك بإزاحة قدرتنا على طرح الأفكار والتوجهات التي تمثلنا والتي تضم في كنفها مشاكلنا وقضايانا، وتبرز هويتنا، ونقتل قدرتنا على الإبداع، عندما نأخذ ما هو جاهز من الخارج ثم نعيد تشكيله وصياغته، وإعادة التشكيل والصياغة لا تؤدي سوى إلى مزيد من الفوضى! وتصبح الأفكار بعد ذلك مشوّه غير نافعة، وسأضرب مثالاً مادياً مبسطاً على ذلك: إذا قمتُ أنا مثلاً بشراء حقيبة يد ذات مواصفات معينة لا تناسبني ثمّ قمت بتغييرها ما الذي سيحدث؟ لنفترض أنّ لون الحقيبة حمراء ومصنوعة من، لكنّها لا تعجبني، فأخذتها إلى صبّاغ ليصبغها باللون الأبيض، ثمّ طلبتُ منه أيضاً أن يغطيها بالقماش فأنا لا تناسبني الحقائب الجلدية؟ ماذا سيحدث للشنطة بعد ذلك؟ بالطبع ستتشوه، ولن تصبح مناسبة لا لي ولا لغيري، بل ستصبح كارثة! لماذا اذاً لا أنقي الشنطة التي تناسبني؟ لماذا لا أرتقي بذلك أكثر فأصمم الشنطة التي تعجبني؟
لماذا لا نصنع أفكارنا وحركاتنا بأنفسنا ووفقاً لما يناسبنا؟ ونعطيها مسميات تنتمي إلينا وإلى أهدافنا؟ هل لدينا أزمة ثقة بقدراتنا؟ وإذا كنّا في الأشياء المادية نفضل المستورد على المحلي لأننا نعتقد أنّ المحلي أقلّ جودة فذلك لا ينطبق بالطبع على عالم الأفكار والتوجهات والحركات، وكما يقال: (أهل مكة أدرى بشعابها) فنحن أدرى بمشاكلنا وقضايانا، وأدرى بما يناسبنا ولا يتنافى مع قيمنا وديننا. وعلى كل حال فلا يبدو أنّ الحركات النسوية في اليمن تبدي سخطاً اتجاه مسيرة مارس النسوية بالرغم مما تحمله من مبادئ منافية تماماً لنا.
اتباع الغرب والسير خلف توجهاتهم طمس هويتنا وطمس توجهاتنا وطمس ثقافتنا.. هم في أدبياتهم وثقافتهم يتحدثون عن النسوية هل سنقوم نحن بإنشاء أدبيات منسوخة من أدبياتهم؟ وننادي بشعارات تتطابق مع شعاراتهم أم أننا بحاجة إلى إنشاء الحركات التي تناسبنا نحن، وتتماشى مع هويتنا وثقافتنا وديننا، ولا نكون مجرد قطيع يمشي خلف الثقافة الغربية ويكرر ما تقوم به..
كما أنّ إحضار أفكار النسوية إلى اليمن سيؤدي إلى صدام ورفض من المجتمع، ونحن للحصول على حقوق المرأة لن ينفعنا الصدام مع المجتمع، بل على الأغلب سيأتي الصدام بنتائج سلبية وقد حدث ذلك بالفعل، ففي عام ١٩٩٩ عندما قام (مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية) في جامعة صنعاء بندوة دولية خالفت مرجعية الدولة الدينية وثقافة المجتمع، أدّى ذلك إلى احداث صدام مع المجتمع وحدثت ضجّة أدّت في النهاية إلى إغلاقه.
ما قام به هذا المركز نموذج واضح عن عدم إمكانية قبول الحركة النسوية الأصلية في اليمن، وتظهر الجانب المظلم منها. وبعد تحرّك الجهات المعنيّة بشأن تلك الندوة تمّ تشكيل لجنة برلمانية، وأخرى أكاديمية، وثالثة رئاسية لبحث أوضاع المركز، خلصت كل منها على حدة إلى التوصية بإغلاقه. اذاً بعيداً عن حملات التشويه والتحريض فقد تمّ إغلاق المركز بطريقة رسمية، وتلك اللجان موكلة بالنظر في مصلحة المجتمع ومعتقداته وقيمه، وبالطبع لو لم يكن ذلك المركز يتناقض مع كل ذلك لما تمّ إغلاقه بهذه الطريقة الرسمية، ومن قبل ثلاث لجان، وما استغربه الآن هو أنّ الحركات النسوية الحالية – كما يتبيّن مما تنشر – لا ترفض ما حدث من قبل، وتؤيد تلك الأنشطة السابقة، وقد يدل ذلك على أنّها لازالت تؤمن بنفس الفكر وإن لم تقوم بندوات مشابهة، تتصادم بشكل مباشر مع المجتمع.
المحور الاجتماعي
الحركة النسوية تؤدي إلى التركيز على الفروق بين الرجال والنساء وإهمال مساحة التشابه، بالرغم من أنّ مساحة التشابه أكبر بكثير، فالنساء والرجال هنا يعانون من مظالم متشابهة، ويفتقدون حقوق أيضاً متشابهة، فالرجل في مجتمعنا اليمني مظلوم ومحروم مثل المرأة أيضاً، والحل هو أن نقف جميعاً معاً، أن نجتمع في بوتقة واحدة دون تحيّز داعمين حقوقنا على مجملها، ويحدث التحيّز عندما يجتمع فئة من النّاس لسبب معيّن، يطالبون بأشياء معيّنة، ثم تكون لهم حركتهم الخاصة، ومؤسساتهم وإطار يعملون ضمنه، وهم بذلك يجعلون الفئات الأخرى خارجهم، ومن لا يريد الانضمام إليهم فهو في كثير من الأحيان يصبح عدوّهم، لذلك فالكثير من النسويين رجالاً ونساءاً يرون أنّ من يقول بأنّه ليس نسوي لا يؤمن بحقوق المرأة، بالرغم من أنّ ذلك ليس صحيحاً.
عندما يسمع الرجل كلمة النسويّة فهو يعي على الفور أنّ ذلك شيء لا يخصه، كما يحدث للمرأة أيضاً فعندما تسمع مصطلح النسويّة ستدرك على الفور أنّ ذلك الشيء يخصها ولا يخص الرجل، وذلك يؤدي إلى التفرقة أكثر بين الرجل والمرأة، وأنّ النساء في صف أو مجموعة منفصلة تماماً عن الرجل، وهذا التحيّز في القضايا يجعلها تصب في صالح المرأة – على الأقل بشكل ظاهري – دون مراعاة للرجل، بل وتؤدي إلى تفرقة أكبر داخل المجتمع. ونحن هنا في المجتمع اليمني لا نحتاج إلى مزيد من التفرقة والتجمّعات التي تنفصل عن بعضها البعض، وفي بعض الأحيان تتناحر مع بعضها البعض، فقد رأينا ما ساقته إلينا تلك التكتلات السياسية من مآسي، وكم ضعّفت من نسيج المجتمع، واستهلكت من طاقاته وامكاناته، لذلك نحنُ لسنا بحاجة إلى تكتلات بحسب النوع الاجتماعي، خاصةً أنّه في مجتمعنا اليمني ليست المرأة فقط المظلومة ولكن الرجل أيضاً والطفل والمهمشين، أي جميع أفراد المجتمع، وما نحتاجه حقاً هو الوقوف إلى جانب بعضنا البعض أي أن نكون جميعاً على اختلاف ألواننا وأجناسنا وتوجهاتنا معاً نحارب ضد أعداؤنا الحقيقيون: الحرب والجهل والفقر.
قد يتساءل البعض: اذاً كيف تطالب المرأة بحقوقها دون أن تكون نسوية؟ ودون أن تنفصل عن الرجل؟ هناك بالطبع أساليب كثيرة ولدينا مثال في اليمن وهو مؤتمر الحوار الوطني الشامل، فمؤتمر الحوار الوطني الشامل، لم يعمل على توزيع المجتمع إلى فئات، بل حوى النصوص التي تدعو إلى حماية المرأة وحقوقها، وحماية المهمّشين، وحق التعليم للأطفال، وكل فئات المجتمع، وبإمكان النساء المطالبة بحقوقهن عبر تجمعات كهذه، تجمعات لا تضعها في جانب عداوة مع الرجل، ولا حتى جانب اختلاف معه، بل تضع قضيتها ضمن اطار المجتمع ككل، ومن خلال ذلك يتم التركيز على نقاط التشابه أكثر من نقاط الاختلاف، وتكون العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة تكامل وتعاون ضمن المجتمع ومراعاة لحقوق ومصالح الطرفين.
النسوية أيضاً تشجع على التمييز على حسب النوع الاجتماعي لصالح المرأة، لنفترض مثلاً أنّي أنشأت مؤسسة وقلت بأني سأقوم من خلال هذه المؤسسة بدعم اليمنيين ذو البشرة القمحية مثلاً فقط! أليست تلك عنصرية؟ لنفترض أنّ تلك المؤسسة قامت بتوزيع سلة غذائية على أسرة لأن لونها قمحي وحرمت اسرة اخرى بيضاء اللون بسبب لونها؟ ما ذنب هذه الاسرة؟ نفس المثل ينطبق على التمييز أيضاً حسب النوع المجتمعي، إذا قامت الحركات النسوية بدعم المرأة من خلال الأنشطة التي تقوم بدعمها منظمات من الخارج وتركت الرجل.. ألن يخلق ذلك هوة كبيرة وظلم وتمييز ضد الرجل؟ دعوني أقلب المسألة لتروها بوضوح.. افترضوا مثلاً أنني قمت باستبدال تلك المؤسسات وجعلتها مؤسسات تعمل لصالح الرجل! افترضوا أن هناك مثلاً خمس مؤسسات في صنعاء تخدم الرجل فقط؟ وتحمل اسم الرجل فقط! ماذا سيحدث.. ألن تقيم النساء ضجة وتقيم الدنيا وتقعدها؟ عزيزي القارئ اذكر لي اسم مؤسسة واحدة في اليمن! فقط مؤسسة واحدة مخصصة للرجل فقط!
قد تقول لي بأنّ الرجل لا يحتاج إلى مؤسسات فالمجتمع والدولة والقانون تعطيه حقه، أو تقول بأنّه لا توجد ممارسات اجتماعية تضر الرجل فقط دون المرأة، لذلك فالرجل لا يحتاج إلى مؤسسات، وأنّه لا ظلم في أن تقام مؤسسات لأجله وليست لأجل الرجل، وسأقول لك بأنّ الرجل يعاني أيضاً داخل المجتمع؟ ومثال على ذلك المهور، الشباب في المجتمع اليمني يعانون كثيراً من ارتفاع المهور، والتي لا تتناسب مع دخلهم ورواتب الدولة، خاصة في بعض المدن والمحافظات، لكن هل حدث أن أنشأ الرجال مؤسسة خاصة لهم دون تقديم المنفعة للنساء؟
وقد تقول بأنّ المؤسسات النسوية بالأساس تدعم المرأة والرجل، وهناك رجال نسويون مثلما أنّ هناك نساء نسويات، فأنا أقول لك أذهب وأبحث في الأنشطة التي تقوم بها الأنشطة النسوية، ثمّ انظر من الذي يعمل فيها أكثر، عمن تتحدث أكثر؟ ثمّ لنفترض مثلاً أنّها بالفعل تدعم الطرفين دون تمييز، لماذاً اذاً تسمي نفسها نسوية؟ لماذا لا تسمّي نفسها مؤسسات مجتمعية؟ وإن كانت بالفعل تدعم الطرفين فهي اذاً بالفعل مؤسسات مجتمعية وتظلم نفسها عندما تسمي نفسها نسوية، وهي ليست ما أناقشه في مقالي هذا وإن سمّت نفسها نسوية فذلك خطأ منها.
الخلاصة
في الأخير، نحن نرفض الحركة النسوية رفضاً قاطعاً، فالحركة النسوية حركة غربية لا دينية، تتنافى مع مرجعيتنا ومع ثقافتنا وأعرافنا، وإن كُنّا نعاني من مشكلات وظلم للمرأة فنحن نستطيع اذا أردنا إيجاد ما يناسبنا من أفكار وتوجهات وتجمّعات تمثّلنا دون الحاجة إلى اتباع الموضة الغربية، وقد فعلنا ذلك من قبل، كما أنّ الفجوة التي تشكّلها الحركة النسوية بين الرجل والمرأة هي بالطبع ليست في صالح المرأة ولا في صالح الرجل، ونحن مجتمع واحد، ونؤمن إيماناً عميقاً أنّ مساحة أوجه الشبه بين الرجل والمرأة أكثر اتساعاً من أوجه الاختلاف، لذلك يجب أن نجتمع على أوجه الشبه، بدلاً من التركيز على أوجه الاختلاف والتي تؤدي إلى خلق هوة مجتمعية تضر المجتمع، وتدعم التمييز أكثر.
المصادر:
https://ar.wikipedia.org/wiki/نسوية
https://genderiyya.xyz/wiki/تاريخ_الحركة_النسوية
https://www.alarabiya.net/ar/last-page/2019/08/19/-لجام-التوبيخ-عقاب-قديم-أجبر-المرأة-على-السكوت-
كتاب (الحركة النسوية في اليمن) لـ أنور قاسم الخضري
https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/النسوية/
https://www.ida2at.com/feminism-resolve-abortion-debate/
https://static1.squarespace.com/static/584086c7be6594762f5ec56e/t/5877e236cd0f68f052043067/1484251705644/WMW+Guiding+Vision+%26+Definition+of+Principles.pdf
https://www.youtube.com/watch?v=H50eCfpquBI&t=324s
http://www.equalpowerlastingpeace.org/ar/tag/الحركة-النسوية-في-اليمن/
العدد الثاني من مجلة (Fine Line) النسوية